مقال رأي

تشاد: اتفاق الدوحة… سلام تحقق بوساطة قطر وتعثر بسبب حسابات السلطة

في صيف عام 2022، شهدت العاصمة القطرية الدوحة حدثًا سياسيًا استثنائيًا حبس أنفاس التشاديين وأثار اهتمام الأفارقة والمجتمع الدولي على حد سواء. فبعد أشهر طويلة من جولات التفاوض، نجحت الوساطة القطرية في جمع الحكومة الانتقالية التشادية وأكثر من أربعين حركة معارضة ومسلحة على طاولة واحدة، ليوقعوا ما بات يُعرف بـ “اتفاق الدوحة للسلام”. كان الاتفاق بمثابة لحظة فارقة، وفرصة تاريخية لطي صفحة عقود من النزاعات والحروب الأهلية التي أنهكت البلاد. لكنه بعد مرور عامين، يجد نفسه أمام مفترق طرق: إما أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو مصالحة وطنية حقيقية، أو أن يبقى ذكرى عن سلام تعثر بسبب حسابات السلطة.

اتفاق تاريخي لكنه غير مكتمل

تشاد بلد يعرف معنى الحروب أكثر من أي شيء آخر. فمنذ الاستقلال عام 1960، لم تعرف البلاد استقرارًا سياسيًا طويل الأمد. فقد تعاقبت الانقلابات العسكرية، وتكررت المواجهات بين الحكومة المركزية ومجموعات مسلحة في الشمال، وامتدت التوترات لتشمل دول الجوار مثل ليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى. المواطن التشادي كان دائمًا الضحية: نزوح، فقر، غياب تنمية، وانسداد في الأفق السياسي.

اتفاق الدوحة جاء مختلفًا لأنه جمع طيف واسع من القوى المعارضة لم يجتمع من قبل، لكنه لم يكن شاملًا بالكامل. فبعض الحركات المسلحة البارزة مثل جبهة التغيير والوفاق (FACT)، والمجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية (CCMSR)، وحركة النهضة التشادية (MRT)، بالإضافة إلى حركات أخرى بارزة، انسحبت من المفاوضات أثناء توقيع الاتفاق، لأن الحكومة لم تقبل شروطها. هذا الانسحاب أضعف قدرة الاتفاق على تحقيق سلام شامل ومستدام، وأثار التساؤلات حول جدية بعض الأطراف في الحوار.

من جهة أخرى، شاركت في المفاوضات بعض الأحزاب والحركات التي يمكن وصفها بـ “كرتونية”، أي أنها كانت حاضرة على الورق فقط ولم يكن لها أي تأثير فعلي على الأرض، مما أعطى انطباعًا زائفًا بأن الاتفاق يحظى بدعم كامل من المجتمع المدني والمعارضة المسلحة، بينما الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا.

دور قطر: وساطة بحرفية عالية

لا يمكن قراءة اتفاق الدوحة من دون التوقف عند الدور القطري. فقد وفرت الدوحة بيئة آمنة للحوار، وأدارت جولات تفاوضية معقدة وصعبة، شهدت انسحابات وتهديدات بالفشل أكثر من مرة. لكن الدبلوماسية القطرية – المعروفة بصبرها ومرونتها – استطاعت في النهاية إقناع الأطراف المتبقية بالجلوس والتوقيع.

قطر لم تكتفِ بكونها دولة مضيفة، بل لعبت دور الوسيط الفعّال. فقد سبق لها أن أدارت ملفات مشابهة في السودان وأفغانستان، وهي تراهن دائمًا على الحوار كخيار استراتيجي لحل النزاعات. ويحسب لها أنها نجحت في جمع أطراف لم يجلسوا على طاولة واحدة منذ سنوات طويلة، وهو ما خلق لحظة أمل نادرة في بلد اعتاد على لغة السلاح أكثر من لغة التفاوض.

التحديات بعد التوقيع

لكن، وكما يحدث في كثير من اتفاقيات السلام الإفريقية، فإن التوقيع على الورق لا يعني بالضرورة التطبيق على الأرض. فبعد عودة بعض قادة المعارضة إلى إنجمينا، فوجئوا بأن الإصلاحات السياسية الموعودة تسير ببطء شديد، وأن كثيرًا من البنود لم يُنفذ أصلًا.

قضية دمج المقاتلين في الجيش بقيت غامضة، بينما وُوجهت مشاركة المعارضة في مؤسسات الدولة بعرقلة واضحة. بدا وكأن الحكومة تتعامل مع الاتفاق بانتقائية، تنفذ البنود التي تخدم بقاءها السياسي، وتتجاهل ما يهدد توازنها الداخلي. هذا السلوك سرعان ما أثار إحباطًا وسط المعارضة، وأعاد إلى الأذهان تجارب سابقة فشلت بسبب غياب الإرادة السياسية.

إضافة إلى ذلك، فإن تشاد تواجه أزمات اقتصادية عميقة: ارتفاع البطالة، اعتماد متزايد على المساعدات الخارجية، وتراجع عائدات النفط. هذه الظروف دفعت السلطة إلى التركيز على البقاء بدل الانفتاح، فتم تعليق كثير من الالتزامات بحجة صعوبة الظرف الاقتصادي. لكن الحقيقة أن غياب الإرادة الجادة هو السبب الأساسي.

أثر الاتفاق على حياة الناس

رغم انسحاب بعض الحركات وضعف التطبيق، لا يمكن إنكار أن الاتفاق أحدث فرقًا على الأرض. فالمواجهات الواسعة في الشمال تراجعت بشكل ملحوظ، والمواطنون شعروا لأول مرة بقدر من الاستقرار. بعض اللاجئين والنازحين بدأوا يفكرون في العودة، والأسواق في بعض المدن عادت إلى الانتعاش النسبي.

لكن، في المقابل، لم يلمس المواطن تغييرًا سياسيًا حقيقيًا. فالحريات ما زالت محدودة، والمشاركة السياسية ضيقة، والوضع المعيشي يزداد صعوبة. لذلك، يرى كثير من الشباب أن اتفاق الدوحة منحهم أملًا قصيرًا، لكنه لم يتحول بعد إلى واقع ملموس. الخوف الأكبر لديهم أن تضيع هذه الفرصة مثلما ضاعت فرص سابقة.

قراءة مستقبلية

برأيي، مستقبل اتفاق الدوحة يتوقف على خيارين لا ثالث لهما: أولًا، إذا كانت الحكومة التشادية جادة في تحقيق السلام والاستقرار وتنمية البلاد، يجب عليها إعادة فتح حوار شامل وتنظيم اتفاق مع الحركات البارزة التي انسحبت أثناء توقيع الاتفاق، بما في ذلك FACT، CCMSR، وحركة النهضة التشادية (MRT) وغيرها. هذا المسار سيمنح الاتفاق فرصة حقيقية ليصبح أساسًا لمصالحة وطنية شاملة ويوقف النزاعات في الشمال والمناطق المتأثرة بالعنف.

أما ثانيًا، إذا استمر التباطؤ والتردد، ولم يتم إشراك الحركات البارزة، فإن البلاد ستظل تعاني من عدم الاستقرار السياسي، وستتزايد احتمالات عودة النزاعات المسلحة، ما يهدد أي جهود لتنمية البلاد وتحسين حياة المواطنين. السلام عملية تراكمية، لكن لا يمكن أن يستمر إذا شعر أحد الأطراف أنه استُبعد أو لم تُلبَّ حقوقه.

من المهم التأكيد أن قطر قامت بدورها على أكمل وجه. فقد جمعت الأطراف، ونجحت في تحقيق ما فشلت فيه مبادرات أخرى على مدى سنوات. لكنها لا تستطيع أن تفرض التنفيذ على الأرض. المسؤولية الآن تقع على عاتق التشاديين أنفسهم: قادة، معارضة، ومجتمع مدني.

قطر أظهرت أن الحوار ممكن، وأن السلام ليس مستحيلًا. لكن الحفاظ على هذا الإنجاز يحتاج إلى شجاعة سياسية داخلية، وتغليب مصلحة الوطن على حسابات السلطة.

خاتمة

اتفاق الدوحة للسلام ليس مجرد وثيقة سياسية، بل هو فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة بين التشاديين. غير أن هذه الفرصة مهددة إذا استمرت الحكومة في سياسة التردد والانتقائية. فالمواطن التشادي الذي صبر عقودًا على الحروب، لم يعد قادرًا على تحمل خيبات جديدة.

ما أود قوله بوضوح: إن مستقبل تشاد يتوقف على قرار قيادتها. إما أن تلتزم بروح اتفاق الدوحة وتفتح صفحة جديدة من المصالحة والتنمية، وإما أن تترك الاتفاق يتلاشى في غبار الحسابات الضيقة. التاريخ لا يرحم من يضيع الفرص، والتشاديون يستحقون سلامًا حقيقيًا لا مجرد توقيع في قاعة فاخرة بالدوحة.

خالد أحمد قجة

طالب في قسم الاقتصاد بجامعة يلدز التقنية، تركيا. ومهتم بالقضايا الاقتصادية والسياسية في منطقة الساحل الإفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى