تشاد تُنهي شراكتها مع منظمة المنتزهات الإفريقية خلاف بيئي يتجاوز حدود المحميات

في السادس من أكتوبر 2025 أعلنت الحكومة التشادية إنهاء شراكتها مع منظمة المنتزهات الإفريقية (African Parks)، وهي مؤسسة غير ربحية تُعنى بحماية الحياة البرية وترتبط بالأمير البريطاني هاري (Prince Harry) بصفة فخرية.
وجاء القرار بعد خمسة عشر عاما من التعاون في إدارة محميات وطنية بارزة، أبرزها زانغا سانغا (Zakouma National Park) وإنيدي (Ennedi Natural and Cultural Reserve)، متهمةً المنظمة بالإهمال في مكافحة الصيد الجائر وسوء إدارة الموارد، وبالتصرف بما لا يراعي سيادة الدولة وبنود الاتفاق.
ويمثل القرار نقطة تحول في واحدة من أطول الشراكات البيئية في منطقة وسط إفريقيا، إذْ كانت المنظمة تُعدّ نموذجاً للتعاون بين الحكومات الإفريقية والمؤسسات الدولية في مجال حماية المحميات. غير أن تراجع الثقة وتصاعد الانتقادات المحلية حول فعالية الإدارة المشتركة مهّدا الطريق لهذه القطيعة.
ومن جانبها، أكدت المنظمة تلقيها الإشعار الرسمي وبدئها اتصالات مع الحكومة لفهم دوافع القرار والحفاظ على ما تحقق من إنجازات بيئية. ورغم دعواتها إلى الحوار، فإن هذه الخطوة فتحت نقاشًا واسعًا حول قدرة تشاد على إدارة محمياتها بمواردها الذاتية، وحول التوازن الدقيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات الشراكة الدولية في حفظ البيئة.
وبناء عليه، ستبحث الفقرات التالية جذور هذا التعاون، وأسباب انهياره، والانعكاسات المحتملة على مستقبل إدارة المحميات في المنطقة.
الخلفية التاريخية للتعاون
بدأت الشراكة بين تشاد ومنظمة المنتزهات الإفريقية عام 2010، حين وافقت الحكومة التشادية على منح المنظمة حق إدارة منتزه زانغا سانغا الواقع في الجنوب الشرقي للبلاد. وجاء الاتفاق في سياقٍ كانت فيه المحمية تعاني من تراجع كبير في أعداد الفيلة وازدياد أنشطة الصيد غير المشروع، ما دفع السلطات إلى البحث عن شريك دولي يمتلك الخبرة والتمويل اللازمين لإعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة.
وقد حظي المشروع منذ بدايته بدعم من الاتحاد الأوروبي وعدد من الجهات المانحة الدولية، وتم تقديمه آنذاك كنموذج للتعاون بين الحكومات الإفريقية والمنظمات البيئية غير الربحية في إدارة الموارد الطبيعية.
وعلى مدار السنوات التالية، توسع نطاق عمل المنظمة ليشمل محمية إنيدي (Ennedi Natural and Cultural Reserve) في شمال البلاد، وهي منطقة تُصنَّف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما تحويه من تشكيلات صخرية نادرة وأنظمة بيئية فريدة.
واعتُبرت إدارة المنتزهات الإفريقية لهذه المواقع نجاحاً بيئيّاً وإداريًا في بدايته، إذْ انخفضت معدلات الصيد الجائر وتحسنت أوضاع الأمن داخل المحميات، إلى جانب تنفيذ مشاريع للبنية التحتية السياحية وبرامج توعية للمجتمعات المحلية.
غير أنّ هذا النجاح بدأ يتراجع تدريجيًا خلال الأعوام الأخيرة مع تصاعد انتقادات رسمية وشعبية تتعلق بضعف الشفافية المالية وتراجع التنسيق مع الجهات الوطنية، ما مهّد لتدهور العلاقة بين الطرفين.
الأسباب وراء الخلاف
برز التوتر بين الحكومة التشادية والمنظمة بشكل متزايد منذ عام 2023، حين بدأت أصوات داخل وزارة البيئة والموارد الطبيعية تنتقد ما وُصف بـ “الهيمنة الإدارية” من قبل المنتزهات الإفريقية، واعتبر بعض المسؤولين أن المنظمة تصرفت باستقلال مفرط تجاوز حدود التفويض الممنوح لها. كما أشار تقرير حكومي غير معلن إلى إخفاق المنظمة في معالجة الصيد غير المشروع في بعض المناطق الحدودية، رغم الميزانيات الكبيرة التي حصلت عليها من شركاء دوليين.
وفي المقابل، دافعت المنظمة عن أدائها مؤكدة أن الظروف الأمنية غير المستقرة في المناطق الشرقية والشمالية من تشاد جعلت تنفيذ خطط الحماية أكثر تعقيدًا، خاصة مع توسع نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وذكرت في بيانات سابقة أن أعمالها ساهمت في إعادة بناء الثقة بين السكان المحليين والسلطات، وأن برامجها البيئية والاقتصادية وفرت فرص عمل لمئات الأسر في المناطق الريفية.
لكن الخلاف حول أدوار الصلاحية والتمويل ظل يتفاقم، إلى أن اتخذت الحكومة قرارها النهائي بإنهاء الشراكة في أكتوبر 2025، معتبرة أن الحفاظ على السيادة الوطنية في إدارة الموارد الطبيعية “أولوية لا تقبل المساومة”.
التداعيات البيئية والسياسية
يمثل إنهاء الشراكة مع المنتزهات الإفريقية نقطة تحول في مسار إدارة المحميات داخل تشاد، إذ يعيد إلى الواجهة سؤال الكفاءة المؤسسية للدولة في إدارة تلك المساحات الشاسعة دون دعم خارجي. فالموارد المحدودة والضغوط الاقتصادية تشكل عائقًا أمام استمرار مستوى الحماية ذاته الذي كانت توفره المنظمة، بينما يخشى خبراء البيئة من أن يؤدي الفراغ الإداري المؤقت إلى عودة أنشطة الصيد الجائر وتدهور النظم البيئية مجددًا.
على الصعيد السياسي، يُنظر إلى القرار كرسالة موجهة إلى المنظمات الدولية العاملة في إفريقيا بأن التعامل مع الحكومات ينبغي أن يتم في إطار شراكة تحترم السيادة الوطنية وتخضع لمساءلة محلية حقيقية. كما يعكس التوجه المتنامي لدى عدد من الدول الإفريقية إلى استعادة زمام المبادرة في إدارة مواردها الطبيعية وتقليل اعتمادها على المؤسسات الأجنبية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول يبقى مرهونًا بقدرة الحكومة على بناء مؤسسات محلية قوية وتوفير الموارد المالية والتقنية اللازمة لضمان استمرارية برامج الحماية.
وهكذا، يتجاوز الخلاف بين تشاد والمنتزهات الإفريقية مجرد نزاع إداري، ليطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة التعاون البيئي الدولي في القارة ومستقبل النماذج التشاركية في إدارة الموارد الطبيعية في ظل تزايد الحس الوطني والسيادي لدى الحكومات الإفريقية.
الخاتمة
يشير إنهاء تشاد شراكتها مع منظمة المنتزهات الإفريقية إلى تحوّل أعمق من مجرد خلاف إداري، إذ يعكس توجّهًا متزايدًا نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدول الإفريقية والمنظمات الدولية العاملة في مجال البيئة والتنمية. فبعد خمسة عشر عامًا من التعاون، وجدت نجامينا نفسها أمام معادلة معقّدة تجمع بين الحفاظ على السيادة الوطنية وضمان استدامة الجهود البيئية.
وقد اختارت في النهاية تأكيد استقلال قرارها، ولو على حساب استمرار نموذج التعاون الدولي الذي طالما قُدّم بوصفه مثالًا ناجحًا.
لكن هذا القرار، رغم وجاهته من منظور السيادة، يفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة المحميات المعقّدة بموارد محدودة، في بلد يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة. كما أنه يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مراجعة أساليب عمله في إفريقيا، بحيث تكون الشراكات أكثر احترامًا لخصوصيات الدول وأقرب إلى مفهوم “التمكين المحلي” بدلًا من “الإدارة بالنيابة”.
في النهاية، يبدو أن قضية المنتزهات الإفريقية في تشاد تتجاوز مسألة حماية الفيلة والسهول إلى سؤالٍ أكبر عن من يملك حق إدارة الطبيعة الإفريقية، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين التعاون الدولي وحماية القرار الوطني. وهي معادلة ستظل تشكّل محورًا جوهريًا في مستقبل العلاقات بين إفريقيا والعالم، في زمن يتداخل فيه البيئي بالسياسي، والمحلي بالعالمي.
