تشاد: وعود استثمارية حكومية … بلا حصاد للشعب

منذ سنوات، تتحدث الحكومة التشادية عن دخول مرحلة جديدة من النمو والانفتاح الاقتصادي، وعن مشروعات بمليارات الدولارات وشراكات مع دول وشركات كبرى، لكنّ المواطن التشادي لا يرى من كل ذلك سوى صور الوفود الرسمية وبيانات الختام.
فبين الخطاب المليء بالطموح والواقع المليء بالصعوبات، تتسع الفجوة يوماً بعد يوم. حيث تتكرّر الوعود ذاتها في كل مؤتمر وزيارة رسمية، مثلا: استثمارات أجنبية، وبنية تحتية، وتحول رقمي، وتنمية مستدامة؛ لكنّ الشارع التشادي لم يلمس بعدُ أيّ تحوّل حقيقي في معيشته اليومية.
ومع ارتفاع البطالة وتراجع الخدمات، أصبح من المشروع أن يُطرح السؤال التالي: إلى أين تذهب كل هذه الوعود؟ وهل تحوّلت التنمية في تشاد إلى مجرد مشهد إعلامي جميل يخفي وراءه واقعاً هشّاً؟
بين الوعود والواقع
جاءت الزيارة الأخيرة للرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إلى دولة الإمارات في سياق الترويج لمجموعة من الاتفاقيات الاستثمارية التي شملت قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية والرقمنة. غير أن وقع هذه الأرقام الضخمة لا يتجاوز أصداءها في وسائل الإعلام.
فبينما تُعلن الحكومة عن شراكات واعدة، يزداد الفقر اتساعاً، ويستمر الشباب في البحث عن فرص عمل لا يجدونها، وتبقى القرى والمناطق النائية خارج أيّ مسار حقيقي للتنمية.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد التشادي سيحقق نمواً يقارب 3.4% عام 2025؛ لكن هذا النمو لا ينعكس على مستوى معيشة الأفراد، إذْ يُتوقع أن يظل نصيب الفرد من الناتج المحلي شبه ثابت، مع بقاء معدلات الفقر فوق 45%.
تدل هذه المفارقة على أنّ الاقتصاد لا يعاني من قلة الموارد بقدر ما يعاني من سوء توجيهها وغياب إدارة فعالة تضمن وصول ثمارها إلى الناس.
المشكلة ليست في الاستثمار؛ بل في الإدارة
تشاد ليست فقيرة بالموارد؛ ولكنها تفتقر إلى منظومة إدارة قادرة على تحويل الفرص إلى منجزات. فالعقود التي تُبرم مع الشركاء الأجانب تظل في كثير من الأحيان غامضة، لا يعرف المواطن تفاصيلها ولا الجهات المستفيدة منها. وبدلاً من أن تكون هذه الشراكات أداة لتنمية شاملة، تتحول إلى قنوات للثراء الفردي، تترك وراءها خيبة أمل جديدة في مؤسسات الدولة.
تُقَدم التجارب السابقة دروساً قاسية، فمشروع أنبوب النفط الذي ربط تشاد بالكاميرون في بداية الألفية كان يُفترض أنْ يكون نقطة انطلاق للتنمية؛ لكن ضعف الشفافية في إدارة العائدات أدّى إلى نتائج محدودة للغاية. وعلى النهج نفسه، لم تنجح العديد من المشاريع المعلنة في السنوات الأخيرة في تجاوز مرحلة التصريحات أو التوقيعات الرمزية.
ما ينقص تشاد ليس التمويل الخارجي بقدر ما ينقصها وضوح الرؤية، ومؤسسات قادرة على التخطيط والمتابعة والمساءلة. فالموارد وحدها لا تصنع التنمية ما لم ترافقها إرادة سياسية صادقة، وإدارة حكومية شفافة، ونظام رقابي يحاسب كل من يعبث بالمال العام أو يتلاعب بمصير المشاريع الوطنية.
فجوات بين الخطاب والتنفيذ
من يتابع المشهد التشادي يلاحظ فجوات واسعة بين ما يُعلن وما يُنفّذ. فالخطة الحكومية التي تهدف إلى جذب استثمارات بقيمة 30 مليار دولار خلال ست سنوات تبدو طموحة على الورق؛ لكنها لا تستند إلى رؤية تفصيلية تحدد الأولويات والمشاريع القابلة للتنفيذ.
فكيف يمكن لدولة تعاني من ضعف الكهرباء، وغياب البنية التحتية، أنْ تستقطب استثمارات حقيقية دون أنْ تُهيئ بيئة جاذبة للمستثمرين؟
تتكرر الشعارات ذاتها منذ سنوات، مثل: “سننهض”، “سنعمل”، “سنبني”. لكنها تظل عبارات معلّقة ما لم تُترجم إلى أفعال ملموسة.
فالتنمية ليست صوراً في المؤتمرات، ولا بيانات صحفية أنيقة؛ بل طريق يربط القرى بالمدن، ومياه نظيفة تصل إلى البيوت، ومدارس مجهزة تستقبل الأطفال، ومستشفيات تقدم العلاج لعموم المواطنين.
فالاقتصاد التشادي يحتاج إلى انطلاقة واقعية تبدأ من الأساسيات، مثل: البنية التحتية، والزراعة، والطاقة. فبدونها لن يكون لأيّ حديث عن التحول الرقمي أو الاقتصاد الأخضر معنى.
حتى مشروع الرقمنة الذي أعلنت عنه الحكومة بقيمة 1.5 مليار دولار حتى عام 2030، يواجه تحديات حقيقية، أبرزها ضعف تغطية الإنترنت التي لا تتجاوز 13% حالياً، في حين أن الهدف المعلن هو الوصول إلى 30% خلال السنوات المقبلة.
الطريق إلى التنمية الحقيقية
إنّ بناء دولة قادرة على تحقيق وعودها يبدأ من إعادة ترتيب الأولويات، فبدلاً من التركيز على المؤتمرات والتصريحات الطموحة، ينبغي التوجّه إلى معالجة المشكلات الهيكلية التي تعيق أي تقدم. فيما يلي، سنطرح بعض التوصيات ذات العلاقة:
- أولاً، الشفافية والمساءلة. لا يمكن لأي استثمار أن يكون مثمراً في بيئة لا يعرف فيها المواطن أين تُنفق الأموال، ولا كيف تُدار العقود. يجب أن تكون كل الشراكات خاضعة للرقابة البرلمانية والإعلامية، وأن تُنشر تفاصيلها بوضوح أمام الرأي العام.
- ثانياً، توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة. فبدلاً من المشروعات الرمزية، ينبغي التركيز على الزراعة والطاقة والبنية الأساسية، وهي المجالات التي تخلق فرص عمل مباشرة وتدعم الأمن الغذائي وتحد من الهجرة الداخلية والخارجية.
- ثالثاً، إشراك المجتمع المحلي في مراحل التخطيط والتنفيذ. فالتنمية لا يمكن أن تُفرض من فوق، بل تُبنى من الميدان، من خلال معرفة احتياجات الناس الفعلية وربط المشاريع بواقعهم اليومي.
- رابعاً، تنمية الكفاءات الوطنية. فبدون كوادر مدربة ومؤهلة، ستبقى تشاد معتمدة على الشركات الأجنبية، عاجزة عن نقل المعرفة أو الاستفادة من العوائد الاقتصادية على المدى الطويل.
الخاتمة
لقد مرّ زمن طويل منذ أن وعدت الحكومات المتعاقبة الشعب التشادي بالتحول والازدهار؛ لكن حصيلة تلك الوعود لا تزال محدودة. فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من الخطط، ولا مزيداً من الشعارات؛ بل إدارة جديدة تضع المواطن في صلب العملية التنموية، وتحوّل الاستثمارات من أرقام تُعرض في المؤتمرات إلى مشاريع تُغيّر حياة الناس فعلاً.
إنّ الاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق فرصاً، ويحافظ على الكرامة، ويزرع الثقة بين الدولة والمجتمع. فحين يرى المواطن طريقاً معبّداً، وماءً نظيفاً، ومدرسة تعمل، ومستشفى يقدّم له الخدمة دون تمييز، عندها فقط يمكن القول إن التنمية الحقيقية بدأتْ.
إنّ دولة تشاد لا تحتاج إلى “وعود استثمارية” بقدر ما تحتاج إلى حصادٍ يلمسه شعبها. فالتاريخ لا يُكْتَب بالكلمات فحسب؛ بل بالأفعال. وإذا كانت الحكومة جادة في رؤيتها “تشاد 2030”، فعليها أن تبدأ من اليوم بخطوات صغيرة لكنها صادقة، تُعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتفتح الطريق أمام تنمية واقعية تعيد للأمل معناه.