اتفاق الدوحة الإطاري … إعادة ضبط مسار الصراع وصياغة فرصة سلام في شرق الكونغو

كانت غوما، مع بداية 2025، تشبه مدينةً تقف على حافة هاوية لا تعرف ما إذا كانت ستسقط أم ستُنقَذ في اللحظة الأخيرة. حيث تمددتْ حركة «إم 23» في الشمال الشرقي كما لو أنها تعيد رسم الخرائط بالقوة، فيما انحسرت قدرة الدولة على حفظ أمنها، وتعاظم النزوح إلى مستوى كشف هشاشة المنظومة برمّتها.
لقد بدا المشهد في شرق الكونغو وكأنه يدخل طوراً جديداً من الانفلات؛ إذْ تتقاطع الحسابات الإقليمية مع إرث طويل من التشظي الداخلي، وتصطدم فيه وساطات متكررة بجدار أزمة لا يلين.
وفي خضم هذا التراكم المضطرب، جاءت الدوحة في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لتفتح منفذاً مختلفاً، ليس لأنه اتفاق جديد فحسب؛ بل لأنه محاولة لإعادة تعريف قواعد إدارة الصراع في إحدى أعقد بؤر التوتر في إفريقيا.
ولقد أتاح المسار التدريجي الذي احتضنته الدوحة، من إعلان مبادئ في يوليو إلى ترتيبات لوقف النار في أكتوبر، وصولاً إلى الاتفاق الإطاري في نوفمبر، فرصة مهمة لالتقاط أنفاس سياسية وسط اشتداد الميدان. كما ساعد الدعم الدولي المنسق، ولا سيما الدور الأميركي والشرعية التي وفرها الاتحاد الأفريقي، على بناء لحظة توافقية بدا واضحاً أنها لم تكن لتتشكل لولا الوساطة القطرية التي استطاعت الحفاظ على خيط الحوار في أكثر المراحل هشاشة.
وفي خضم هذا المسار، برزتْ فكرة أن معالجة صراع بهذا التعقيد لن تمر عبر تفاهمات عسكرية أو سياسية منفصلة، بل عبر إطار متكامل يستوعب جذور الأزمة وتفاعلاتها الممتدة.
وعلى هذا الأساس، ينطلق هذا التحليل من محاولة فهم هذا التحول، عبر تتبع الظروف التي جعلت الاتفاق ضرورة لا بُدّ منها، ثم التعرف على بنيته التنفيذية وما تمنحه من آليات قابلة للقياس، قبل الانتقال إلى قراءة الدور الذي لعبته الوساطة القطرية في تثبيت المسار، وفحص التحديات التي ستواجه التنفيذ على الأرض، وصولاً إلى استشراف ما يمكن أن يعنيه هذا كله لمستقبل شرق الكونغو.
وبهذه المسارات الخمسة، يتشكل الإطار الذي يساعد على قراءة الاتفاق بوصفه فرصة محتملة لإعادة معايرة ميزان الصراع، لا مجرد وثيقة سياسية تعيش لحظتها ثم تنطفئ.
أولا: لماذا كان الاتفاق ضرورياً؟
بلغت الأزمة في شرق الكونغو الديمقراطية مستوى غير مسبوق من التعقيد خلال 2024–2025، مع اتساع رقعة سيطرة حركة “إم 23” ووصولها إلى مشارف مدينة غوما، مركز الثقل الإداري والاقتصادي في شمال كيفو.
وترافق ذلك مع انهيار واسع في منظومة الأمن المحلي، وتزايد أعداد النازحين إلى مستويات قياسية، وضعف قدرة الحكومة على احتواء تصاعد الهجمات، سواء من قبل الحركة أو الجماعات الأخرى المنتشرة في المنطقة. كان هذا المشهد كافياً للدفع نحو صياغة إطار تفاوضي جديد، بعدما استنزفت الحلول الجزئية طاقتها ولم تحقق أثراً ملموساً على الميدان.
وفي الوقت ذاته، تراكمت توترات عرقية قديمة بين مكونات محلية مرتبطة بهوامش الحدود مع رواندا وأوغندا، ما أعطى الصراع طابعاً معقداً يتجاوز كونه مواجهة بين جيش وحركة مسلحة. هذا التعقيد غذّته سياسات تاريخية مرتبطة بالجنسية والهوية، وبتوزيع الموارد، وبضعف مؤسسات الدولة التي لم تستطع فرض القانون في مناطق التعدين الحيوية.
وتزامن ذلك مع تدهور الثقة بين كينشاسا وكيغالي، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بالدعم العسكري، بما جعل شرق الكونغو ساحة لتداخل النزاعات الداخلية والإقليمية في الوقت نفسه.
كما ساهمت محدودية فاعلية الوساطات السابقة في خلق شعور دولي بأن المعالجة أصبحت تتطلب تحركاً دبلوماسياً مختلفاً. فقد فشلت آليات شرق أفريقيا في تثبيت وقف إطلاق نار دائم، فيما كانت مسارات الحوار داخل الكونغو نفسها عاجزة عن معالجة جذور النزاع المرتبطة بالمواطنة والتمثيل والعدالة الانتقالية.
ومع اقتراب الحركة من مدن استراتيجية وازدياد الضغط الداخلي على الحكومة، أصبح تأسيس اتفاق شامل لا يقتصر على الجانب العسكري ضرورياً لضبط المسار قبل انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.
ولهذا، جاء البحث عن إطار متعدد المستويات يعالج جذور الأزمة ويعيد أطراف الصراع إلى مسار تفاوضي منظم. وفي هذا السياق، يُعَدّ اتفاق الدوحة الإطاري محاولة لإعادة بناء “هندسة إدارة النزاع” على أسس أوسع، تجمع توقف النار، وآليات الإصلاح، وتعزيز سلطة الدولة، ومعالجة ملفات الهوية والعودة، وهو ما لم تستطع الاتفاقات السابقة القيام به بالعمق المطلوب.

ثانيا: مضمون اتفاق الدوحة الإطاري وبروتوكولاته التنفيذية
جاء اتفاق الدوحة الإطاري للسلام بوصفه وثيقة مرجعية تشكل الهيكل العام لعملية السلام اللاحقة، متضمناً ثماني بروتوكولات تنفيذية تمثل لبنات البناء الأساسية للاتفاق النهائي. يمكن تلخيص هذه البروتوكولات فيما يلي:
- بروتوكول المساعدات الإنسانية والحماية القضائية،
- بروتوكول استعادة سلطة الدولة والإصلاحات وترتيبات الحكم،
- بروتوكول الترتيبات الأمنية المؤقتة ونزع السلاح وإعادة الدمج،
- بروتوكول الهوية والمواطنة وعودة اللاجئين والنازحين،
- الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي،
- العدالة والمصالحة،
فضلا عما سبق، وُقِّع بروتوكولان آخران مرتبطان بآلية وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
إذْ يُعالج البروتوكول الأول آليات إيصال المساعدات الإنسانية، مع توفير حماية قانونية للضحايا والعاملين في المجال الإغاثي، في ظل بيئة ميدانية تتسم بانتهاكات واسعة النطاق.
أما البروتوكول الثاني فيركز على إعادة سلطة الدولة إلى مناطق خرجت من سيطرتها لسنوات طويلة، من خلال ترتيبات مؤقتة تتدرج نحو إصلاحات مؤسسية أوسع تشمل الحكم المحلي والمشاركة السياسية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بجذور التهميش الذي غذّى دورات التمرد السابقة.
ويتعامل البروتوكول الثالث مع واحدة من أعقد القضايا، مثل: نزع سلاح الجماعات المحلية وإعادة دمجها، إضافة إلى كيفية التعامل مع الجماعات المسلحة الأجنبية الناشطة في الشمال الشرقي، وهي نقطة ذات حساسية إقليمية.
أما البروتوكول الرابع فيتناول مسألة الهوية والمواطنة، بما في ذلك معالجة أوضاع اللاجئين والنازحين وتمكين عودتهم الآمنة، وهو محور يتطلب معالجة قانونية واجتماعية تتجاوز الطابع الأمني للاتفاق.
والبروتوكولان الخامس والسادس يفتحان الباب أمام ربط السلام بإعادة الإعمار عبر خطط للإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، بالتوازي مع إطلاق مسار للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
إنّ تركيز الاتفاق على هذه البروتوكولات يعكس فهماً بأن تحقيق السلام الدائم يحتاج إلى ترتيبات تتجاوز إيقاف القتال، لتشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز سياسات المواطنة الجامعة، ومعالجة إرث الانتهاكات.
ثالثا: دور الوساطة القطرية والدعم الدولي
لقد برزت الوساطة القطرية في هذا الملف بوصفها منصة حوارية قادرة على تجميع الأطراف المتباعدة في لحظة حساسة. وقد تميزت الدوحة بإدارتها لمسار تفاوضي تراكمي، تحرك تدريجياً من إعلان مبادئ إلى ترتيبات وقف إطلاق النار، وصولاً إلى الاتفاق الإطاري الذي يحمل طابعاً هيكلياً.
بلا شك، لقد أعطى هذا التدرج العملية مصداقية أكبر، خصوصاً أنّ الأزمة كانت في مرحلة تتسم بفقدان الثقة بين الأطراف، ما جعل بناء مسار طويل الأمد أهم من السعي لاتفاق سريع. كما وفّر الدور القطري مظلة سياسية محايدة نسبياً، سمحت للطرفين بالعودة إلى الطاولة في لحظة اشتداد الاحتقان.
وقد استفادت الوساطة من دعم دولي واسع، خصوصاً من الولايات المتحدة، التي ساعدت في تخفيف التوتر بين الكونغو ورواندا عبر اتفاق ثنائي سابق، ما فتح المجال أمام انتقال التركيز إلى معالجة العلاقة بين الحكومة وحركة إم 23. ووفّر الاتحاد الأفريقي بدوره شرعية قارية، وعزز الربط بين الاتفاق والإطار الأشمل للسلم والأمن في المنطقة.
هذا التنسيق بين الدوحة والشركاء الدوليين أسهم في رفع مستوى الالتزام المتوقع من الأطراف، لأنه لم يجعل الاتفاق مبادرة منفردة، بل جزءاً من شبكة دعم تضم فاعلين متعددين. وقد ظهرت نتائج هذا الدعم في مواقف الترحيب الصادرة عن دول إقليمية عدة، بما في ذلك تركيا ودول خليجية، وهو ما أضفى بعداً إضافياً يعزز فرص تحويل الاتفاق من وثيقة سياسية إلى مسار قابل للتنفيذ.
وفي ضوء خبرة قطر في تسهيل اتفاقات مماثلة في نزاعات معقدة، يظهر أن دورها لا يتوقف عند جمع الأطراف فحسب؛ بل يشمل متابعة جولات التفاوض المقبلة حول البروتوكولات المتبقية.
ومن المتوقع أن يبقى هذا الدور محورياً لضمان الاستمرارية، خصوصاً أن الاتفاق الإطاري يمثل بداية لمسار طويل، وليس نقطة نهاية.
رابعا: اختبار الميدان … التحديات أمام التنفيذ
يمثل انتقال الاتفاق من النص إلى الواقع التحدي الأكبر. فشرق الكونغو هو واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في القارة الأفريقية، مع وجود عشرات الجماعات المسلحة، بعضها محلي ومتجذر في البنى الاجتماعية، وبعضها عابر للحدود. هذا التعدد يجعل تنفيذ الترتيبات الأمنية المتعلقة بنزع السلاح وإعادة الدمج عملية حساسة تتطلب آليات دقيقة وقدرة على التنسيق بين مستويات مختلفة من السلطة.
ويضاف إلى ذلك أن الدولة الكونغولية نفسها تعاني ضعفاً هيكلياً، وتحتاج إلى موارد كبيرة لإعادة فرض سلطتها في مناطق خرجت عن السيطرة لسنوات.
وتتطلب عملية الاستعادة إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، يشمل ضبط أداء الأجهزة الأمنية، وتحسين العلاقة مع السكان، وتوفير الخدمات الأساسية كشرط أولي لبناء الثقة. هذه المتطلبات تجعل التنفيذ مرهوناً بتضافر الجهود بين الحكومة وشركائها الدوليين.
ومن ناحية أخرى، يظل البعد الإقليمي عاملاً مؤثراً في نجاح المسار أو تعثره. فقد شهدت العلاقات بين كينشاسا وكيغالي توترات متكررة مرتبطة باتهامات دعم جماعات مسلحة، ما يفرض ضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين الجانبين لتجنب أي انتكاسة تعيد التصعيد إلى الواجهة. استمرار الهدوء بين الدولتين هو شرط موازٍ لنجاح أي اتفاق مع إم 23.
كما يشكل ملف النزوح نقطة ضغط إنسانية وأمنية في الوقت نفسه، إذْ تمتد عودة اللاجئين إلى جوانب تتعلق بالمواطنة والحقوق والملكية، وتحتاج إلى معالجة دقيقة كي لا تتحول إلى مصدر صراع جديد. ومن دون تقدم ملموس في هذا الملف، قد يبقى جزء من الاتفاق غير قابل للتفعيل، خصوصاً في المناطق ذات الحساسية الإثنية المرتفعة.
خامسا: ماذا يعني الاتفاق لمستقبل شرق الكونغو؟
بكل تأكيد، لقد وفّر الاتفاق الإطاري فرصة لإعادة توجيه مسار الصراع نحو مسار أكثر انتظاماً، ينتقل من منطق إدارة الأزمات اللحظية إلى مقاربة تراكمية تعالج جذور الأزمة. منح الأولوية للبروتوكولات التنفيذية يعطي الاتفاق عمقه الحقيقي، لأنه يربط بين الأمن والحوكمة والتنمية، في معادلة تتطلب تقدماً متزامناً لا يمكن اختصاره في الجوانب العسكرية وحدها.
… إنّ الاتفاق، بما يحمله من بنية تنفيذية متدرجة، يمثل محاولة جادة لإعادة صياغة مقاربة السلام في شرق الكونغو وفق أسس أكثر واقعية.
وإذا تمكنت الحكومة من تحسين حضورها الإداري والأمني عبر ترتيبات واقعية ومدعومة دولياً، فقد يفتح ذلك الباب أمام تحول في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في شرق البلاد. فترسيخ سيادة القانون، وتحسين الخدمات، وتوسيع المشاركة السياسية، كلها عناصر يمكن أن تحول مفهوم الدولة من «قوة بعيدة» إلى «فاعل ضامن»، وهو تحول تحتاجه الكونغو منذ عقود.
كذلك، فإن الربط بين الإنعاش الاقتصادي والعدالة الانتقالية قد يمكّن من معالجة آثار العنف بصورة متوازنة، عبر توفير بدائل اقتصادية لمجتمعات تعيش على هامش الدولة، وتقليص نفوذ اقتصاد الحرب الذي يغذي الجماعات المسلحة. وإذا تحقق هذا الربط، يمكن أن يشكل الاتفاق نقطة انعطاف نحو بيئة تُدار فيها الموارد الطبيعية وفق أنماط أكثر شفافية، بعيداً عن المصالح المتشابكة التي ظلّت تغذي الصراع.
وأخيراً، يحمل الاتفاق دلالات أوسع تتعلق بإمكانية بناء مسارات سلام متعددة الأطراف في منطقة البحيرات العظمى، تستفيد من زخم الوساطة الدولية والإقليمية. فالنجاح النسبي في هذا المسار قد يشجع على إعادة تصميم مقاربات مشابهة في أزمات أخرى تشهد تراكماً للعنف وانسداداً في المبادرات، بينما تعثره قد يعيد المنطقة إلى دائرة الجمود.
لكن المؤكد أنّ الاتفاق، بما يحمله من بنية تنفيذية متدرجة، يمثل محاولة جادة لإعادة صياغة مقاربة السلام في شرق الكونغو وفق أسس أكثر واقعية.
الخاتمة
يؤسس اتفاق الدوحة الإطاري لفرصة نادرة لإعادة ترتيب معادلة القوة في شرق الكونغو، لكنه يظل خطوة أولى في مسار طويل يتطلب قدرة الأطراف على تحويل العناوين الكبرى إلى إجراءات ملموسة.
فمع أنّ السياق الدولي والإقليمي يمنح الاتفاق زخماً غير مسبوق، فإن النجاح مرهون بمدى التقدم في الملفات الحساسة مثل نزع السلاح، واستعادة سلطة الدولة، ومعالجة جذور المواطنة والعودة. وتبدو الوساطة القطرية عاملاً حاسماً في الحفاظ على هذا المسار، إذ وفّرت إطاراً موثوقاً للحوار وجعلت الاتفاق جزءاً من شبكة دعم تتجاوز الأطراف المحلية وحدها.
ومع ذلك، سيظل الميدان الاختبار البارز لطبيعة الالتزام، إذْ يمكن لأيّ ارتباك في العلاقة بين كينشاسا وكيغالي أو أيّ بطء في تنفيذ البروتوكولات أنْ يعيد الأزمة إلى نقطة التوتر الأولى. أما إذا تمكّن الاتفاق منْ إحداث اختراقات تدريجية، ولو في نطاقات محدودة، فقد يشكل تحولاً نوعياً في إدارة صراع طال أمده وارتبط بعوامل محلية وإقليمية شديدة التعقيد.
وفي النهاية، لنْ يُقاس أثر الاتفاق بعدد الاجتماعات أو توقيع البنود؛ بل بقدرة ترتيباته على تغيير حياة الناس في المناطق التي أنهكتها الحرب.
فإذا استطاع أنْ يفتح نافذة للاستقرار والعودة وبناء الثقة، فسيكون قد وضع حجر الأساس لمسار أكثر توازناً في شرق الكونغو، مسار يختبر قدرة الأطراف على الانتقال من إدارة المواجهة إلى إدارة السلام.
