إفريقيا والعالمالاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية

كيف رسخت تركيا “الشراكة الرابحة” كبديل اقتصادي في أفريقيا: من 5.4 إلى 100 مليار دولار

في مشهد جيوسياسي واقتصادي عالمي يتسم بالاستقطاب الحاد والبحث عن بدائل، نجحت تركيا خلال العقدين الماضيين في تحويل سياستها تجاه القارة الأفريقية من مجرد شعارات دبلوماسية إلى واقع اقتصادي راسخ. فبعيداً عن منطق “المانح والمتلقي” أو الإرث الاستعماري الذي عانت منه القارة طويلاً، تقدم أنقرة نفسها كـ”شريك متساوٍ” على قاعدة “الربح المتبادل”.

هذه الاستراتيجية، التي بدأت بخطوات رمزية عام 2003، أصبحت اليوم تُقاس بلغة الأرقام الصعبة: عشرات المليارات من الدولارات في حجم التجارة، ومئة مليار دولار في مشاريع البنية التحتية، واستثمارات مباشرة بعشرة مليارات، وشبكة دبلوماسية ولوجستية هي الأكثف بين القوى الناشئة. وبينما تُعقد “منتديات الأعمال والاقتصاد التركية الأفريقية” (TABEF) بشكل دوري بحضور آلاف الفاعلين من الجانبين، يتضح أن أنقرة لم تعد لاعباً طارئاً، بل شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في معادلة التنمية الأفريقية.

لغة الأرقام: قفزة تجارية واستثمارات متنامية

لا يمكن فهم عمق العلاقة دون استعراض القفزة الهائلة في المؤشرات الاقتصادية. فعندما أطلقت تركيا “استراتيجية تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية” عام 2003، كان حجم التبادل التجاري الإجمالي مع القارة بأكملها لا يتجاوز 5.4 مليار دولار. اليوم، يبدو هذا الرقم ضئيلاً مقارنة بالواقع.

خلال “منتدى الأعمال والاقتصاد التركي الأفريقي الخامس” (TABEF) الذي عُقد مؤخراً في إسطنبول (أكتوبر 2025)، كشف وزير التجارة التركي، عمر بولاط، عن الأرقام المحدثة التي ترسم ملامح هذه الشراكة.

أعلن الوزير بولاط أن حجم التجارة البينية بين تركيا والقارة الأفريقية تجاوز حاجز 37 مليار دولار خلال عام 2024. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد أن “الهدف الفوري هو رفع هذا الرقم إلى 40 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025”.

تأتي هذه الأهداف المرحلية في سياق رؤية استراتيجية أوسع وضعها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في القمم الأفريقية السابقة، والتي تستهدف الوصول بالتبادل التجاري إلى 50 مليار دولار كمرحلة أولى، ومن ثم القفزة إلى 75 مليار دولار على المدى المتوسط.

هذه الطفرة، التي تمثل زيادة بأكثر من سبعة أضعاف خلال عقدين، لم تكن لتحدث لولا نمو الاستثمارات المباشرة. فوفقاً للبيانات الرسمية التركية، ارتفع رصيد الاستثمار التركي المباشر (FDI) في عموم القارة الأفريقية من 100 مليون دولار فقط عام 2003، ليتجاوز اليوم حاجز 10 مليارات دولار.

تتركز هذه الاستثمارات في قطاعات حيوية، بدءاً من التصنيع، مروراً بالطاقة والخدمات اللوجستية، وانتهاءً بالصناعات الغذائية والمنسوجات، مما يخلق آلاف فرص العمل ويساهم في نقل التكنولوجيا، وهو مطلب أفريقي أساسي.

“نموذج المقاولات”: قاطرة البناء والربط اللوجستي

تُعتبر شركات المقاولات والإنشاءات التركية رأس الحربة الحقيقي للوجود الاقتصادي التركي في أفريقيا، والبطاقة الرابحة التي قدمت نموذجاً فريداً يجمع بين السرعة في التنفيذ والجودة التنافسية.

الأرقام هنا تتحدث عن نفسها، فبحسب تصريحات وزير التجارة التركي عمر بولاط، أكملت شركات المقاولات التركية حتى الآن 2,043 مشروعاً ضخماً في مختلف أنحاء القارة.

القيمة الإجمالية لهذه المشاريع هي الأكثر إثارة للدهشة، حيث بلغت قيمتها الإجمالية ما يقرب من 100 مليار دولار.

لا تقتصر هذه المشاريع على المباني السكنية أو الفنادق، بل تمتد إلى البنية التحتية الاستراتيجية التي تحتاجها القارة بشدة:

  • النقل: بناء مطارات دولية (مثل مطار بليز دياغني في السنغال)، وموانئ بحرية، وخطوط سكك حديدية، وطرق سريعة تربط بين المدن والدول.
  • الطاقة: إنشاء محطات لتوليد الكهرباء، سواء كانت حرارية أو كهرومائية أو عبر الطاقة المتجددة.
  • البنية الاجتماعية: بناء مستشفيات حديثة، ومرافق تعليمية، وشبكات لمياه الشرب والصرف الصحي.
  • المشاريع الرمزية: تشييد ملاعب رياضية بمعايير دولية، ومراكز مؤتمرات، ومبانٍ حكومية.

هذا الزخم الإنشائي لم يأتِ من فراغ، بل تم دعمه بغطاء دبلوماسي ولوجستي مكثف. ففي عام 2002، لم يكن لتركيا سوى 12 سفارة في عموم أفريقيا. أما اليوم، تمتلك أنقرة شبكة دبلوماسية تضم 44 سفارة، مما يوفر غطاءً سياسياً وقنصلياً وتجارياً للشركات العاملة على الأرض.

وعلى خط موازٍ، لعبت “الخطوط الجوية التركية” دوراً محورياً، حيث تُعد اليوم واحدة من أكبر شركات الطيران العالمية ربطاً مع القارة. تصل الشركة حالياً إلى 62 وجهة في أكثر من 40 دولة أفريقية، محولة إسطنبول إلى جسر جوي رئيسي يربط أفريقيا بالعالم، ويسهل حركة رجال الأعمال والبضائع والطلاب.

المنظور الأفريقي: تنويع الشركاء و”أجندة 2063″

من المنظور الأفريقي، يمثل الصعود التركي فرصة ذهبية لتحقيق هدف طال انتظاره: تنويع الشركاء الدوليين. لعقود، كانت القارة الأفريقية ساحة تنافس بين القوى الأوروبية (التي تحمل إرثاً استعمارياً)، والولايات المتحدة، والصين التي تزايد نفوذها بشكل هائل.

تأتي تركيا لتقدم “بديلاً ثالثاً”، بديلاً يركز، على الأقل في خطابه الرسمي، على “الندية” و”الاحترام المتبادل”.

وقد أكد البيان الختامي الصادر عن “منتدى الأعمال والاقتصاد التركي الأفريقي” الأخير في إسطنبول، والذي شارك فيه ممثلون عن الاتحاد الأفريقي، على الالتزام المشترك بـ “أجندة 2063” للاتحاد الأفريقي.

تركز هذه الأجندة التنموية الأفريقية طويلة الأمد على أهداف واضحة، تجد فيها الشراكة التركية دوراً فاعلاً، خصوصاً في مجالات:

  1. التصنيع وسلاسل القيمة: تسعى الدول الأفريقية للانتقال من تصدير المواد الخام إلى “إضافة القيمة” عبر التصنيع. وقد أشار مسؤولون في الاتحاد الأفريقي إلى أنهم يشجعون الشركات التركية على الاستثمار ليس فقط في استخراج المعادن، بل في “معالجتها” داخل أفريقيا.
  2. التكامل الإقليمي: تهدف “أجندة 2063” إلى تحقيق تكامل قاري، تدعمه منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA). المشاريع التركية في البنية التحتية (الطرق، السكك الحديدية، الموانئ) تخدم هذا الهدف بشكل مباشر عبر تسهيل التجارة البينية الأفريقية.
  3. الطاقة المتجددة: أكد مسؤولون أفارقة، مثل مفوض الاتحاد الأفريقي للطاقة والبنية التحتية، أماني أبو زيد (في تصريحات سابقة)، ومسؤولون آخرون في المنتدى الأخير، على أن أفريقيا تمثل “سوقاً بـ 1.5 مليار نسمة واقتصاداً يتجاوز 3.5 تريليون دولار”، وأن الفرص هائلة، خاصة في قطاع الطاقة النظيفة، وهو مجال تبدي الشركات التركية اهتماماً كبيراً به.

سد الفجوات بعيون البنك الأفريقي

لفهم سبب الترحيب الأفريقي بالشريك التركي، لا بد من النظر إلى تقارير المؤسسات التنموية القارية، وعلى رأسها البنك الأفريقي للتنمية (AfDB).

لسنوات، دق البنك الأفريقي للتنمية ناقوس الخطر بشأن “فجوة البنية التحتية” الهائلة في القارة، والتي يقدرها البنك بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً. هذه الفجوة هي العائق الأكبر أمام التنمية، وهي تشمل الطاقة، والنقل، والمياه، وتكنولوجيا المعلومات.

هنا يبرز دور “نموذج المقاولات” التركي. فالمئة مليار دولار التي ضختها الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية تساهم بشكل مباشر في سد هذه الفجوة التي تعجز الحكومات الأفريقية والمؤسسات المانحة التقليدية عن سدها منفردة.

تتقاطع الأولويات التركية بشكل شبه كامل مع “الأولويات الخمس الكبرى” (High 5s) التي وضعها البنك الأفريقي للتنمية، وهي:

  1. إضاءة أفريقيا وتزويدها بالطاقة: وهو ما تنفذه شركات الطاقة التركية.
  2. إطعام أفريقيا: عبر الاستثمارات التركية في الزراعة والصناعات الغذائية.
  3. تصنيع أفريقيا: وهو جوهر “أجندة 2063” التي تدعمها تركيا عبر الاستثمار المباشر ونقل التكنولوجيا.
  4. دمج أفريقيا: وهو ما تحققه مشاريع النقل واللوجستيات التي تنفذها أنقرة.
  5. تحسين نوعية الحياة لشعوب أفريقيا: عبر بناء المستشفيات والمدارس ومشاريع المياه.

خاتمة

لم تعد العلاقة التركية الأفريقية مجرد طموح سياسي، بل هي حقيقة اقتصادية راسخة، بُنيت على مدى عشرين عاماً من العمل الدؤوب. فمن جهة، وجدت تركيا في أفريقيا عمقاً استراتيجياً وسوقاً واعدة لتصريف منتجاتها وخبراتها، ومن جهة أخرى، وجدت الدول الأفريقية في أنقرة شريكاً براغماتياً، سريع الإنجاز، ولا يحمل “أجندات إيديولوجية معقدة” أو “إرثاً استعمارياً مثيراً للريبة”.

لكن هذا الطريق ليس مفروشاً بالورود. فتركيا ليست اللاعب الوحيد. المنافسة في أفريقيا شرسة، سواء من القوى التقليدية كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، أو من العملاق الصيني الذي يمتلك أفضلية تمويلية هائلة، أو حتى من قوى صاعدة أخرى كروسيا والهند ودول الخليج.

ومع ذلك، تراهن أنقرة على أن نموذجها القائم على “الشراكة الندّية” والاستثمار المباشر في البنية التحتية، مدعوماً بقوة ناعمة تتمثل في التعليم والمساعدات الإنسانية (عبر وكالة تيكا والهلال الأحمر)، سيضمن لها مكاناً دائماً على طاولة الفاعلين الكبار في قارة المستقبل.

خالد أحمد قجة

طالب في قسم الاقتصاد بجامعة يلدز التقنية، تركيا. ومهتم بالقضايا الاقتصادية والسياسية في منطقة الساحل الإفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى