غينيا بيساو: محاولة انقلاب غامضة.. مشهد ضبابي يعيد غرب أفريقيا إلى قلب العاصفة

تشهد غينيا بيساو واحدة من أكثر اللحظات السياسية التباساً منذ سنوات، بعد إعلان مجموعة من العسكريين “السيطرة الكاملة على البلاد” وتعليق العملية الانتخابية، في خطوة وُصفت فوراً بأنها محاولة انقلاب جديدة في بلد اعتاد الاضطرابات منذ استقلاله. لكن ما يجعل المشهد الحالي غير مسبوق، هو الطريقة التي تحرك بها الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو، الذي بدا –على غير ما يجري عادة– قادراً على التواصل الخارجي ومخاطبة العالم فيما يُفترض أنه محتجز داخل القصر الرئاسي.
انقلاب بنكهة مختلفة.. رئيسٌ “محتجز” يمارس مهامه عن بُعد
على الرغم من إعلان الجيش اعتقاله، واعتبار القصر الرئاسي تحت سيطرته، فإن إمبالو واصل استخدام هاتفه الشخصي دون قيود، وأجرى سلسلة اتصالات مع رؤساء دول في المنطقة، كما تواصل مع فاعلين اقتصاديين مؤثرين، وظهر في مقابلات مع وسائل إعلام دولية.
هذا السلوك يتناقض جذرياً مع الأنماط التقليدية للانقلابات في غرب أفريقيا، حيث يُعزل القائد فوراً عن العالم الخارجي، وتُقطع عنه وسائل الاتصال.
لكن في بيساو، الرئيس هو من تصرّف كأنه صاحب السلطة، وتولى بنفسه إعلان خبر اعتقاله لوسيلة إعلام دولية.
فقد اتصل إمبالو بمجلة Jeune Afrique الفرنسية، مؤكداً أنه محتجز داخل مكتبه في القصر، وأن وزير الداخلية ورئيس الأركان ونائبه اعتُقلوا أيضاً. كما اتهم رئيس أركان القوات البرية مباشرة بأنه يقف وراء التحرك.
هذه المفارقة هي ما جعل خبراء الشأن الأفريقي يصفون الانقلاب بأنه “غامض”، ويثير تساؤلات حول مدى جديته، ومن يقف خلفه فعلياً.
سياق مضطرب: إعلان عسكري.. اشتباكات قرب القصر.. وتعليق العملية الانتخابية
التحرك جاء بعد ثلاثة أيام فقط من انتخابات رئاسية وتشريعية شهدت مشاركة ضعيفة من أكبر الأحزاب المعارضة (PAIGC )، مما جعل إمبالو المرشح الأوفر حظاً بحسب معسكره.
لكن المفارقة الأكبر هي أن الرئيس والمعارضة أعلن كلٌ منهما فوزه، قبل صدور النتائج الرسمية المتوقعة مساء الخميس.
ومع تصاعد التوتر:
دوّت أصوات إطلاق نار قرب القصر الرئاسي.
نُشر جنود في الشارع الرئيسي المؤدي إليه.
ظهر ضباط في مقر هيئة الأركان ليعلنوا “السيطرة الكاملة على البلاد”.
وأكدوا تعليق العملية الانتخابية “حتى إشعار آخر”.
هكذا بدا أن البلد دخل دوامة مألوفة:
انقلاب جديد في بلد شهد أربعة انقلابات وأكثر من عشر محاولات انقلابية خلال نصف قرن.
لغز الانقلاب: انقلاب حقيقي أم “مسرحية سياسية”؟
التشكيك في حقيقة الانقلاب ليس من فراغ. فإمبالو نفسه كان قد نفّذ ما اعتبره خصومه “انقلاباً دستورياً” عام 2023 عندما حلّ البرلمان، في خطوة أثارت أزمة سياسية حادة.
اليوم، هناك عدة مؤشرات أثارت الشكوك:
- رئيس محتجز يتصرف بلا قيود: قدرة إمبالو على الاتصال والتواصل الخارجي مباشرة من داخل القصر توحي بأن “السيطرة العسكرية” ليست كاملة أو أنها لم تُحكم بعد.
- سرعة توجيه الاتهامات للإعلام الفرنسي: اتصاله بمجلة مقربة من الشبكات “الفرَنسأفريقية” أعاد إلى الواجهة علاقته الوثيقة مع باريس، وهو ما أثار انطباعاً لدى البعض بأن الرئيس يستنجد بالخارج أو يحاول توجيه دفة الرواية.
- انقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها: اعتقال رئيس الأركان ونائبه، مقابل بقاء آخرين خارج دائرة الاتهام، يعكس صراع مراكز نفوذ داخل الجيش أكثر من كونه انقلاباً كلاسيكياً منسجماً.
- صراع انتخابي لم يُحسم بعد: المشهد قد يكون مرتبطاً مباشرة بانتظار النتائج، خصوصاً أن المعارضة اعتبرت الانتخابات “مطبوخة سلفاً”.
بُعد خارجي حاسم: فرنسا، الإمارات، إسرائيل… والاتهامات التي تلاحق إمبالو
إمبالو بات يُنظر إليه في الأشهر الأخيرة كأحد أكثر القادة الأفارقة قرباً من فرنسا. جملته الشهيرة: “ماكرون… إنه أخي”
باتت مادة للتهكم في القارة السمراء في وقت تتعرض فيه باريس لنفور واسع في غرب أفريقيا، وسط تمدد النفوذ الروسي.
زيارة ماكرون إلى أفريقيا قبل أيام، ومحاولة باريس إعادة بناء نفوذها، جعلت توقيت الانقلاب بالغ الحساسية بالنسبة للخارج.
كما يُضاف إلى ذلك: تقارب إمبالو مع الإمارات وتنسيقه المعلن مع إسرائيل، إذ التقى رئيسها وعرض “التعاون معها لأنها دولة صديقة”
وهو ما فُسر بأنه محاولة لإعادة إدماج أجندات خارجية في غرب أفريقيا، في لحظة تتزايد فيها النزعة السيادية داخل دول المنطقة.
هذه الملفات مجتمعة جعلت شريحة واسعة من الشارع والسياسيين تنظر إلى الرئيس باعتباره “امتداداً لفرنسا”، في وقت تتراجع فيه شرعيته داخلياً.
قراءة في خلفية الانقلاب: صراع مراكز، وشكوك، ونفوذ خارجي
المشهد الحالي يمكن تفسيره عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
1. صراع داخل الجيش نفسه
هناك مؤشرات على انقسام حاد بين:
الحرس الوطني المتهم بالتقرب من المعارضة،
والحرس الرئاسي الموالي لإمبالو.
هذا الانقسام انفجر في لحظة انتخابية محتدمة.
2. النفوذ الفرنسي في لحظة انكماش
الانقلاب –أياً كانت حقيقته– يأتي في وقت حساس لباريس، التي فقدت نفوذها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. سقوط أو اهتزاز آخر حلفائها بهذا الشكل يضيف عبئاً جديداً على سياستها في غرب أفريقيا.
3. إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية
التحرك العسكري قد يكرّس انتقال البلاد إلى مربع نفوذ جديد، سواء باتجاه موسكو كما حدث في النيجر، أو نحو محور إقليمي آخر.
استشراف.. ماذا ينتظر غينيا بيساو؟
رغم غموض المشهد، يمكن ترجيح عدد من السيناريوهات:
مرحلة انتقالية مربكة في حال احتدام الصراع داخل الجيش.
احتمال عودة الاحتجاجات مع إعلان النتائج الرسمية.
تدخل إيكواس سياسياً دون قدرة على التدخل العسكري الفعلي.
اتساع مساحة تدخل القوى الأجنبية في حال فشل الأطراف المحلية في حسم المشهد سريعاً.
أما السيناريو الأخطر فهو انزلاق البلاد إلى حالة “سلطة مزدوجة” بين الرئيس من جهة، وقيادة عسكرية منقسمة من جهة أخرى، وهي وضعية تختبرها دول غرب أفريقيا مراراً في العقد الأخير.



