الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية

البعد الأمني لزيارة الرئيس أردوغان إلى إثيوبيا

جرت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا يوم 17 فبراير 2026.. بعد قطيعة امتدت لـ 11 سنة ما منحها أهمية استراتيجية خاصة خصوصًا من توقيتها حيث يعيش القرن الإفريقي توترات جيوسياسية متصاعدة ولافتة.

أولًا: محددات الزيارة أمنيـًا

تتباين محددات الزيارة بالنسبة لكل طرف وفق أهداف وغايات أنقرة وأديس أبابا وتطورات المشهد في القرن الإفريقي والمنطقة.

أ. تركيـًا

تتمثل الرغبة التركية في منطقة القرن الإفريقي ومحيطه (البحر الأحمر) بالسعي لضمان مصالح أنقرة عبر ضمان تواجدها لاعبًا فاعلًا أمنيًا وسياسيًا يمتلك دور الوسيط الوازن.

وأهم محددات تركيا هي:

  • حصر وموازنة الدور الإسرائيلي: بعد اعتراف اسرائيل بأرض الصومال أواخر 2025، تأتي الزيارة سعيدًا تركيًا لمنع تطويق مصالح أنقرة هناك مع ضمان بناء تحالف يوازن المخطط الإسرائيلي (تركيا، مصر، السعودية، إثيوبيا).
  • تثبيت وضع القرن الإفريقي عبر منع تحويله لساحة صراع وصدام إقليمي بسبب الاندفاع الإثيوبي للوصول إلى البحر.
  • تعزيز الاستثمارات العسكرية التركية كون إثيوبيا من أكبر المشترين للمسيرات التركية (مثل TB2)، ويفيد أنقرة استقرار النظام في أديس أبابا بشكل يضمن استمرارية الشراكة العسكرية والتقنية ويحمي الاستثمارات الدفاعية.
  • تعزيز التنسيق الأمني في مجال مكافحة الإرهاب، ضد الحركات الإرهابية التي تهدد أمن الملاحة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وتضر بالاستثمارات التركية.

ب. إثيوبيـًا

تريد أديس أبابا البحث عن مخرج لها كدولة حبيسة والسعي لضمان استقرار البلاد، ولذلك ترى حكومة آبي أحمد أن أنقرة يمكن أن توفر الدعم العسكري والسياسي دون الارتهان للضغوط الغربية.

أبرز محددات أديس أبابا:

  • المنفذ البحري، حيث تسعى إثيوبيا للحصول على دعم تركي لتأمين منفذ بحري دائم بعد التوترات المرتبطة بالاتفاق مع أرض الصومال وهي تدرك أن أنقرة وسيط متوازن بين مقديشو وأديس أبابا.
  • تعزيز التعاون الأمني والتقنية العسكرية حيث تعتمد إثيوبيا بشكل كبير على التكنولوجيا العسكرية التركية تعزز الحفاظ على توازنات القوى الداخلية والحدودية.
  • درع دبلوماسي موازن، فعلاقة أديس أبابا القوية مع تركيا تسمح لها بموازنة أي ضغوط دولية مع أزمات سد النهضة وإشكاليات الحدود مع السودان.

ثانياً: المخرجات الأمنية في الزيارة

برزت مخرجات متعددة للزيارة وهذه أهمها

  1. تجديد “مسار أنقرة” عبر التأكيد على إعلان ديسمبر عام 2024 لتعزيز الثقة بين إثيوبيا والصومال وبوساطة تركية حينها.
  2. مذكرة تفاهم في مجال الطاقة من خلال التعاون في إنتاج المعدات الكهرومائية، بشكل يربط الأمن المائي بالأمن الطاقي الإثيوبي.
  3. أفرقة المشاكل عبر رفض التدخلات الخارجية، وتجاوز مشاكل القارة بـ “حلول أفريقية” مع دعم لوجستي وتقني تركي.

ثالثــًا: قضية المنفذ البحري الإثيوبي في الزيارة

تحمل زيارة أردوغان أبعادًا خاصة تتجاوز البعد البروتوكولي ويمكن تصنيفها بأنها زيارة وساطة ذات بعد استراتيجي ترتبط بملف حساس من أهم ملفات القرن الإفريقي حاليًا وهي قضية المنفذ البحري الإثيوبي السيادي

وأبرز كواليس هذا الملف خلال الزيارة من خلال التصريحات والحوارات وتقاطعات الحدث:

أ. تصريحات إثيوبية مباشرة – الدوافع والمحركات

كان آبي أحمد مباشراً جداً في طرح القضية، خلال المؤتمر الصحفي المشترك، حيث اعتبرها مسألة “حياة أو موت”  بالنسبة لاقتصاد البلاد.

وصرّح آبي أحمد: “لقد طلبت من أخي الرئيس أردوغان دعم مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري آمن ومستمر عبر وسائل سلمية وتوافقية”.

ليوضح الجانب الإثيوبي دوافعه بأن اعتماد البلاد بنسبة 95% على ميناء جيبوتي، مع دفع رسوم سنوية تتجاوز المليار دولار، وهو ما يشكل “قيداً استراتيجياً” على طموحات دولة سكانها فوق 130 مليون نسمة.

وفي العمق يتمثل هدف أديس أبابا في السعي للحصول على اعتراف أو دعم دولي وازن (كـ تركيا) يشرعن وجودها البحري، خاصة بعد التوترات التي أثارها اتفاقها مع “أرض الصومال” (Somaliland) في يناير 2024.

ب. التصريحات التركية – الرد الدبلوماسي المتوازن

ترتبط تركيا باتفاقية دفاعية مع الصومال (وقعت في فبراير 2024) ما يجعل ردها على تصريحات آبي أحمد محط نظر، وحساسية خاصة.

حيث أكد أردوغان أن “تركيا تولي أهمية قصوى لسيادة الدول ووحدة أراضيها” (تصريح يستهدف إرضاء مقديشو) لكنه اعتبر أن القرن الإفريقي يجب ألا يتحول إلى ساحة صراع.. وتركيا ندعم الحلول السلمية التي تخدم المصالح المشتركة.

ليمثل تجديد “مسار أنقرة” للوساطة الرد التركي المتوازن، من جهة لم تعط ضوءاً أخضر أو موافقة لاتفاق إثيوبيا مع “أرض الصومال”.. لكنها قدمت بديلاً يتمثل في “وصول سيادي تحت سيادة الدولة الصومالية الفيدرالية” مقابل عوائد اقتصادية أو تعاون دفاعي.

رابعـًا: الخلاصة

بداية نشير أن الزيارة تزامنت مع إرسال تركيا سفينة التنقيب (Oruç Reis) وسفن حفر أخرى إلى السواحل الصومالية.. كرسالة تركية حول نفوذها الحقيقي على الأرض في القرن الإفريقي ما يدفع أديس أبابا تقبل بشروط معينة مقابل تسهيل وصولها للبحر.

ولعبت أنقرة على وتر القلق المشترك من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتهديده لاستقرار التوازنات الحالية، ليسمح لها بهامش مناورة وإقناع أكبر لإثيوبيا بالقبول الرؤية التركية لحل أزمة المنفذ البحري دون تصعيد المشهد.

حيث عرضت تركيا أن تكون هي “الضامن الأمني” لأي اتفاق مستقبلي، بحيث توفر الحماية البحرية للموانئ التي قد تستخدمها إثيوبيا، مما يقلل من مخاوف الصومال من “الأطماع التوسعية”.

  • أبرز تحديات العرض التركي

رغم أن إيجابية الأجواء التي ظهرت في الزيارة، تبقى هناك تحديات جسمية أبرزها أن أديس أبابا تسعى لـ “قاعدة عسكرية وبحرية سيادية” (أي تمتلك فيها الأرض)، وهو ما يتصادم مع الموقف الصومالي (المدعوم مصريًا وتركيًا) الرافض لـ مبدأ “السيادة على الأرض” ويرضى بـ “استخدام تجاري” فقط.

المقترح التركي – ممر أمني مراقب

تظهر التقارير الأمنية المرتبطة بالزيارة ومعلومات الكواليس أن خلفية المشهد نوقش فيها مقترح مشروع تقني وأمني معقد عُرف بـ “الممر الآمن الخاضع للرقابة” أو “المنطقة العازلة الذكية”، يهدف لفكفكة عقدة المنفذ البحري الإثيوبي.

  1. جغرافيا “المنطقة العازلة”: حيث تم استبعاد النقاش حول مساحة كبيرة من الأرض ويستعاض عنها بممر لوجستي محدد ودقيق يمتد من الحدود الإثيوبية الشرقية وصولاً إلى منطقة “لوغيا” (Lughaya) شمال “بربرة”.. مع نقاش حول منح إثيوبيا شريطاً بعرض لا يتجاوز 5 إلى 10 كيلومترات، يخصص لسكك حديد وطريق سريع “مغلق” لا تتقاطع معه الحركة المحلية إلا بنقاط عبور محددة.
  2. الضامن التركي وإدارة مشتركة: حيث ترى أنقرة أن هذا الحل المبتكر الذي قد يرضي كل الأطراف عبر إدارة ثلاثية تحل مشكلة السيادة تبقى فيه السيادة القانونية والأرض صومالية (باعتراف مقديشو).. في حين تتولى شركات تركية (مدعومة بخبرات لوجستية) إدارة الميناء والممر، لضمان عدم استخدامه في تهريب السلاح أو تحركات عسكرية غير متفق عليها. بدورها تحصل إثيوبيا على حق “انتفاع طويل الأمد” (99 عاماً مثلاً) مقابل رسوم رمزية أو مقايضة بالكهرباء (من سد النهضة) أو حصص في الخطوط الجوية الإثيوبية.
  1. المخاوف الأمنية – الرقابة الدقيقة: لضمان إنهاء تخوف مصر والصومال، قدم الأتراك مقترحًا بنظام رقابي شديد عبر:
  • تسيير دوريات دائمة بمسيرات تركية فوق الممر والميناء، وتكون بيانات هذه المسيرات متاحة لغرفة عمليات مشتركة (إثيوبية-صومالية-تركية).
  • منع التسلح البحري عبر الاتفاق على أن المنفذ هو “تجاري حصري”، مع منع رسو أي قطع عسكرية إثيوبية ضخمة، والاكتفاء بقوات “خفر سواحل” رمزية ومدربة تركيًا.

وأبرز التحديات التي واجهت المقترح التركي والتي لمّا يتم حلها في الزيارة:

  • قضية القاعدة العسكرية:  مع إصرار آبي أحمد على وجود “موطئ قدم عسكري” (مهما بلغ صغره) يحمي استثماراته البحرية، وهو ما ترفضه تركيا والصومال خوفاً من رد فعل “القوى الكبرى” والمنظمات الدولية.
  • موقف “أرض الصومال”:  وهنا يبرز سؤال مهم عن كيفية تحييد إدارة (إقليم أرض الصومال) التي وقعت الاتفاق الأصلي، حيث تشير معلومات إلى عرض تركي بتقديم “حزم تنموية وضمانات أمنية” للإقليم مقابل قبوله البقاء تحت المظلة الصومالية الفيدرالية في هذا الملف تحديدًا.

وخلاصة الرؤية التركية أن سعي أنقرة هو بناء “ميناء سيادي وظيفياً، صومالي قانونياً، وتركي إدارياً”. هذا هو المخرج الوحيد الذي قد يمنع صداماً عسكرياً شاملاً في المنطقة.. لكن يفتح هذا الحل الوسط تساؤلات حول المواقف الفعلية لبقية الفواعل خصوصًا مصر التي قد ترى في هكذا اختراق؛ تقوية للدور التركي في البحر الأحمر على حساب بقية تلك الفواعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى