أخبار الساحل

تطورات المشهد الأمني في جمهورية مالي بعد هجوم 26 أبريل 2026م

تعيش مالي ومجلسها العسكري الحاكم، اختبارًا مصيريًا لاستقرار الدولة ومنظومة الحكم القائم، فمنذ تطورات الميدان ومجريات هجمات يومي 24 25 أبريل الجاري، لم يعد الصراع مقيدًا بمناطق الشمال والوسط، بل امتد إلى مواقع استراتيجية في الضواحي قرب العاصمة باماكو.. أي أننا أمام إعادة تشكيل لميزان القوة بين المجلس العسكري الحاكم والجماعات المتمردة والجهادية.

بذلك نحن أمام تعقيدات جديدة عسكريًا وسياسيًا وعلى الصعيد الإقليمي ما يزيد فرص انزلاق المواجهات إلى سيناريوهات أكثر عنفًا أو قد نشهد تغييرًا جذريًا في قيادة الحكم.

أولًا: تطورات المشهد الميداني ومجريات العمليات

أ. نطاق الهجمات وهدف العمليات

شنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” متعاونة مع “جبهة تحرير أزواد” بالإضافة إلى مجموعات ميدانية محلية متعاونة معهم، شنوا سلسلة هجمات متزامنة في عدة مناطق في العاصمة باماكو (خاصة كاتي، محيط مقر إقامة رئيس المجلس العسكري عصيمي غويتا).. كذلك في غاو، كيدال، سيفاري، موبتي، وبعض الضواحي الأخرى في الشمال والوسط.

وقد استهدفت الهجمات المقرّات والقواعد عسكرية، مع مراكز قيادة وتخزين، في سعي ومحاولة تضييق الخناق على حرية حركة القوات الحكومية.

ب. أساليب وأدوات وطبيعة الضربات

جرى استخدام سيارات مفخخة، مع إطلاق أسلحة خفيفة، واطلاق نار مكثّف في مناطق ضيقة.. في سياق يوحي بقيام تنسيق مسبق ودراسة معدة سلفًا لخريطة المواقع والعناصر الحساسة.

هذا وأشارت تقارير ميدانية إلى قيام بعض مهاجمي مواقع الجيش المالي بلبس للزي العسكري لخداع عناصر الحراسة والتسلل، ما سهّل اختراق الحواجز، وجرى تركيز الضربات على المؤسسات السيادية، وليست على الأحياء المدنية بشكل عام.

ج. رد الجيش والتحركات الميدانية

أعلنت بيانات الجيش المالي أنه استعاد السيطرة على مساحات واسعة من محيط معسكر كاتي، مع فرض حواجز ودوريات على الطرق المؤدية إلى كاتي ومطار باماكو الدولي.

واستمرت العمليات بتمشيط وقصف جوي محدود على مراكز وقواعد مسلحة غرب وشمال البلاد، بهدف قطع الإمدادات ومنع توسيع الجماعات المتمردة.

ثانيــًا: أهم وأبرز التطورات الأمنية

وقعت عدة منعطفات أمنية لها أهمية ودلالات كبيرة سياسية وعسكرية

أ. مقتل وزير الدفاع

أكدت مصادر مالية مقتل وزير الدفاع “ساديو كامارا” في هجوم سيارة مفخخة بكاتي. هذا الاغتيال يشكل ضربة مزدوجة كونه:

  • استهداف رمزية قيادية رفيعة (الرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم)
  • تقويض الثقة بقدرة الجيش المالي على حماية قمة الهرم القيادي.

يصنف كامارا ضمن الصقور الذي عادوا الوجود الفرنسي وعزز التعاون مع الروس واستقدم فاغنر إلى مالي، وهو أحد أبرز أفراد النواة الصلبة لانقلاب 2020.

يضعف اغتيال كامارا وحصول اختراق في “كاتي” شرعية المجلس العسكري القائم على وعود “استعادة السيادة” و”تحقيق الأمن”، ويجعل مسألة تغيير القيادة أو إعادة تشكيلها من السيناريوهات المطروحة.. كذلك حول التواجد الروسي نفسه.

ب. انشقاقات ومحاولة انقلاب

أفادت تقارير عن وقوع محاولة انقلاب داخلية، مع بلاغات عن عمليات إنزال وأعمال قتال في مواقع عسكرية، خاصة في الضواحي.

وهذا ما يعكس وجود خلافات داخل المؤسسة العسكرية الحاكمة حول مسار التحالفات والتعامل مع الجماعات، وكيفية إدارة الحرب. كما يؤكد وجود تجاذب بين قوى تريد تغيير القيادة أو توجيه العلاقات مع الحلفاء الدوليين (روسيا، دول الساحل …).

ثالثــًا: مشهد القيادة والوضع السياسي والدستوري

يسيطر المجلس الوطني الانتقالي على السلطة في باماكو، وجرى تمديد ولاية قيادته (عصيمي غويتا) لخمس سنوات قابلة للتجديد بدون انتخابات، مع حلّ الأحزاب، وتعليق العمل السياسي التقليدي، ما حوّل مالي إلى نظام عسكري أحادي بحسب توصيف المراقبين.

زادت هذه القرارات من عزلة النظام عن الاتحاد الإفريقي والغرب، في ظل اعتماده على حلفاء عسكريين خارجيين (روسيا) وتوظيف خطاب السيادة والاستقلال كأداة للشرعية، مع تراجع مساحة الحلول السياسية عبر المفاوضات.

رابعــًا: خارطة المشهد الميداني بين الجيش وقوى المعارضة

تتوزع السيطرة الفعلية بين الجماعات المسلحة والجيش المالي، مع تداخل الوضع في المحاور الجغرافية الرئيسية

أ. المحور الشمالي (كيدال – غـاو)

ما تزال كيدال تحت سيطرة جبهة تحرير أزواد وحلفائها، أما منطقة “غـاو” فتشهد معارك متكررة بين الجيش المالي والجماعات الجهادية.

ويشهد الميدان تنسيقًا واضحًا بين تمرد الشمال (الأزواد) والجماعات الجهادية في الوسط، ما صعّب على الجيش المالي إدارة حرب على جبهتين متباعدين.

ب. المحور الأوسط (سيفاري – موبتي)

يعيش هذا المحور تناوب السيطرة والتقدم بين تقدمات جزئية للجيش المالي، مع حملة قصف مستمر على مراكز المسلحين، وهجمات معاكسة دورية.

جدير بالذكر أن مقتل مسؤولين عسكريين ومسؤولين محليين في هذه المناطق يُضعف ثقة السكان في قدرة الجيش على حمايتهم، ويفتح الباب لمزيد من الانحياز للجماعات أو الحياد السلبي.

ج. المحور العاصمة الجنوب (باماكو- كاتي)

تحول معسكر ومنطقة كاتي (ضاحية عسكرية رمزية ومكان إقامة عصيمي غويتا) إلى مسرح معركة؛ ودمرت الاشتباكات المكثفة مناطق سكنية وأقامت حالة من الحصار الجزئي للمواطنين.

إلى ذلك فرض الجيش قيودًا على الحركة، وحوّل محيط مطار باماكو إلى منطقة عمليات، ما يُشير إلى قلق حقيقي من انزلاق المشهد نحو تحذر بقاء الجماعات المتمردة في قلب البلاد.

خامسـًا: المواقف الإقليمية والدولية

الأهم في تطورات مالي هو التواجد الروسي حيث يعتبر التوتر المتصاعد في مالي معيارًا لتقويم شرعية وفاعلية الحضور العسكري الروسي على مواجهة الجماعات الإرهابية، في مقابل الانسحاب أو التراجع الغربي السابق.. حيث يُستغل الوضع لتقويض صورة “النجاح” الروسي، خصوصًا بعد ما شهدناه من استهدافات مباشرة لقيادات عسكرية كبرى ومواقع مهمة، وقتل مسؤولين ماليين بارزين.

أصدر الاتحاد الأوروبي والدول الغربية تحذيرات لرعاياها، مع التشديد على خطورة الوضع في مالي، في حين يقوم مسؤولو المحيط الإقليمي (اتحاد غرب إفريقيا، الاتحاد الإفريقي) بمشاورات مغلقة حول سيناريوهات التدخل أو التوسط.

سادسـًا: قراءة تحليلية

يشهد الوضع الميداني نجاح الجماعات المتمردة بمختلف توجهاتها، بتوسيع نطاق عملياتها، حيث نجحت في نقل هجماتها من المناطق البعيدة إلى محاولة اختراق الضواحي الأمنية المركزية، ما يُضعف هيبة النظام العسكري الحاكم، ورغم إعلان الجيش المالي ظاهريًا السيطرة، لكن ما يجري من  قصف وتمشيط مكثف، بحسب تقارير ومعلومات تؤكد ذلك وتؤكد مقتل قيادات، هذه التقاطعات تكشف عن صعوبة الحفاظ على خطوط دفاع متينة في الشمال والوسط مع توازي التحدي في العاصمة.

سياسيًا، نجد المجلس العسكري قد اعتمد الخطاب الأمني وذرائع السيادة للاستمرار في الحكم، إلا أن الضربات الموجعة التي تلقاها مع الهزائم الرمزية (مقتل وزير الدفاع، الهجمات على معسكر كاتي) يضعف موقفه أمام قاعدته الشعبية، ويفتح باب التساؤلات والسيناريوهات البديلة.

في العمق يجب عدم إهمال ما ذكرته المعلومات عن

انقسامات أو محاولات الانقلاب وهذا يعزز فرضية أن القيادة العسكرية ليست متجانسة، وأنها تعيش تناقضات حول التحالفات الخارجية وكيفية إدارة العمليات ومواجهة التمرد.

إقليميًا فإن تواصل الحرب في مالي يزيد من تأثيرها في دول الجوار (بوركينا فاسو، النيجر، ساحل العاج، السنغال..) ويطرح تحديات حول انتقال الجماعات المسلحة، وارتفاع تجارة البشر والأسلحة، وتهديد طرق الطاقة والتجارة.

سابعـًا: سيناريوهات المستقبل واتجاهات المشهد

نحن أمام عدة احتمالات مستقبلية متداخلة لها انعكاساتها المختلفة في المشهد وتطوراته.

  • السيناريو الأول: حرب استنزاف: يفترض هذا السيناريو استمرار عمليات متبادلة بين الجيش والجماعات في الشمال والوسط، مع احتمال تكرار هجمات نوعية على مراكز قيادة في باماكو. أي أننا سنكون أمام حرب استنزاف طويلة مع تذبذب مراكز السيطرة. وفي حال وقوع هذا السيناريو سنشهد تدهورًا تدريجيًا في قدرة الدولة على تأمين المرافق الحيوية والإمدادات، بالتوازي تضخم نفوذ الجماعات وتراجع الثقة في المؤسسة العسكرية وخسارتها التدريجية لقاعدتها الشعبية.
  • السيناريو الثاني: تموضع جديد في الجيش المالي: يفترض هذا الاحتمال وقوع تغيير قيادي أو إعادة ترتيب داخلي في هرم السلطة نتيجة تزايد الضغط الناتج عن الهزائم الرمزية، وقد نشهد صعود فصيل قيادي جديد داخل الجيش (أو قيادة مدنية – عسكرية مختلطة) بهدف إعادة ترتيب الأوراق ودعم مساعي استعادة السيطرة والقبول بمحادثات محدودة مع المجموعات أو الممثلين الإقليميين. وقوع هذا السيناريو يقود إلى مشهد حكم انتقالي مقيد، مع تخفيف “شكلي” لقبضة العسكريين على جميع مراكز القرار، في مقابل تأمين قيادة أمنية ومالية لنفسها.
  • السيناريو الثالث: تفكك متتابع لمراكز السلطة: يرتبط هذا السيناريو باستمرار تراجع الجيش أمام انتشار الجماعات المتمردة، حيث قد نشهد تشكل مناطق نفوذ متعددة: في الشمال (الأزواد – الطوارق)، وفي الوسط (الجهاديون والجماعات الإسلامية المحلية)، مع تعزيز تراجع قدرة باماكو على فرض قرارها خارج العاصمة. هذا السيناريو قد يفرض على دول الجوار إلى إقامة حلول أمنية غير مباشرة وقبول ترتيبات مصالحة محلية مع بعض الجماعات من أجل تأمين الحدود.

ثامنــًا: التوصيات الأمنية والعسكرية

  1. المراقبة والتحليل الاستخباراتي: من خلال تعزيز وتفعيل الشبكات الميدانية ورصد التنسيق بين الجماعات المسلحة، لاسيما في المناطق الحدودية (الجزائر- بوركينا فاسو- النيجر..). مع رصد التحركات وتبادل المعلومات الداخلية في المؤسسة العسكرية (الترقيات، والتنقلات، والنزاعات البينية ووقوع المحاولات الانقلابية). هذا الرصد يستدعي تحليل نماذج التمويل اللوجستي للجماعات (التجارة، الفدية، المساعدات غير المعلنة..) مع دراسة تأثير كل هجوم جديد على ثقة السكان في الجيش ومركز الدولة.
  1. سيناريوهات رد الفعل: عبر التخطيط لسيناريوهات آلية للتعامل مع تصعيد عمليات الجماعات في العاصمة أو المدن الكبرى (باماكو، غاو، سيفاري)، أو وقوع تغييرات مفاجئة في قيادة الحكم العسكري (كوقوع انقلاب، تغيير قيادة، أو قبول بحوار محدود). كما يجب عدم نسيان احتمالات وقوع تدخل محدودة أو دعم استخباري – لوجستي لدول الجوار، بما يضمن السيطرة على طرق التجارة والطاقة الحيوية.
  1. اعتماد استراتيجية إقليمية: عبر إعادة تقييم قدرة الجيش المالي على التحول إلى قوة نظامية أكثر تنظيمًا (من خلال إصلاح القيادة، وزيادة التدريب، وتجهيز جيش حديث)، مع تقليل الاعتماد على قوة عسكرية خارجية واحدة.. وهذا يشمل توصية بإقامة غرفة تنسيق أمني إقليمي فاعلة بين الدول المجاورة، لمنع تهجير الجماعات المسلحة بين البلاد، وتفكيك شبكات التمويل والتسليح المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى