أخبار الساحلإفريقيا والعالمالأمن والاستقرارالاتفاقيات الاقتصادية والعسكريةالتحالفات الإقليمية والدوليةالتدخلات الإقليمية والدوليةالتنافس الدولي على النفوذ والموارد

الدفاعات الغربية في وضعية ما قبل الحرب أين تقف أفريقيا من مخاطر حرب عالمية شاملة؟ وما مدى جاهزيتها لمواجهة تداعياتها الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية ؟

تكمن أهمية هذا الموضوع في الوقت الذي تحتضن فيه بلدان أفريقية قواعد عسكرية أجنبية أوروبية وأمريكية وروسية وصينية، قد تتحول إلى ساحات حرب مفتوحة بين تلك القوى الكبرى المتصارعة، بسبب تزايد أهمية أفريقيا وموقعها الجغرافي، وممرات البحر الأحمر وخليج عدن، ومواردها الطبيعية وموانئها.

وتتنافس القوى الدولية التي تستعد لخوض حرب عالمية شاملة على النفوذ العسكري والأمني واللوجستي فيها؛ وقد يدفع الأفارقة الثمن الباهظ للحرب المقبلة بسبب الصراعات المسلحة التي قد تندلع بين القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا، بين روسيا والصين وأمريكا من جهة، وبين روسيا وحلفائها والأوروبيين من جهة أخرى. وسيدفع الأفارقة ثمنًا باهظًا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ولهذه المعضلة الخطيرة سأتناول هذا الموضوع في أربعة محاور رئيسة:

المحور الأول: الغرب يعيش مرحلة ما قبل حرب عالمية شاملة قبل عام 2030

العالم الغربي يستعد لحرب مدمرة شاملة مع محور روسيا والصين وحلفائهما في السنوات القادمة وقبل عام 2030 حسب مختلف التصريحات الغربية، ويخططون لها، ويوسّعون إنفاقهم العسكري والدفاعي، ويهيئون الشعوب الأوروبية لخوض حروب طاحنة وربما نووية.

حذر الجنرال البريطاني السير رولي ووكر (Sir Roly Walker)، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش البريطاني، في 16 أكتوبر 2026 الماضي، قائلًا: إن الظروف الدولية شديدة الخطورة، وإن السياسيين سيحتاجون قريبًا إلى إجراء حوار صريح مع المواطنين بشأن الاستعداد للحرب والتضحيات المطلوبة لتعزيز الدفاع الوطني. وكان يخاطب نحو 700 جندي في حامية كاتريك العسكرية شمال إنجلترا، وقال حرفيًا: (أنتم لا تعلمون ذلك، لكن أمتنا ستحتاج إليكم، هناك مخاطر جسيمة للغاية في العالم في الوقت الراهن).

وبحسب التقارير الإعلامية المنشورة في 18 أكتوبر 2026، تستعد بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا لإجراء مناورات عسكرية مشتركة الشهر المقبل، بمشاركة ما لا يقل عن 1500 عسكري، ويُقال إنها للتدرب على سيناريو نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا بعد وقف محتمل لإطلاق النار، لكن بعض الخبراء يرون أنها استعداد لخوض الحرب في أوكرانيا ضد روسيا، فيما تُخرج روسيا بدورها مختلف أسلحتها هذه الأيام لمواجهة أوكرانيا.

 

وهذا يذكرنا بدعوة الجنرال فابيان ماندون (Fabien Mandon)، رئيس أركان الجيوش الفرنسية، يوم 22 أكتوبر 2025 أمام لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث قال: (علينا الاستعداد لصدمة خلال ثلاث أو أربع سنوات في مواجهة روسيا)، ودعا إلى إعداد الجيش والمجتمع الفرنسيين لاحتمال حرب واسعة في أوروبا. وكرر الدعوة في تصريح له يوم 11 نوفمبر 2025، في مقابلة مع صحيفة Ouest-France، إلى ضرورة الاستعداد لاحتمال مواجهة مع روسيا قبل عام 2030.وأكد ذلك في 18 نوفمبر 2025 أمام مؤتمر رؤساء البلديات الفرنسيين، داعيًا المجتمع الفرنسي إلى الاستعداد للتضحيات البشرية المحتملة في حرب مستقبلية.وفي جلسة بمجلس الشيوخ يوم 27 أبريل 2026، سُئل عما إذا كان تقديره بشأن الصدمة المحتملة خلال ثلاث أو أربع سنوات قد تغير، فأجاب بأنه لا يملك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الموعد قد ابتعد.

وتتحدث فرنسا عن (اقتصاد الحرب) منذ عام 2022، ثم انتقلت تدريجيًا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتسريع إنتاج الأسلحة والذخائر والاستعداد لاحتمال مواجهة عسكرية واسعة في أوروبا، وتبعتها معظم دول أوروبا الشرقية والغربية.

وفي نوفمبر 2024، وزعت السلطات السويدية كتيبًا بعنوان (إذا وقعت الأزمة أو اندلعت الحرب) (Om krisen eller kriget kommer) على أكثر من خمسة ملايين أسرة، في إطار تعزيز الاستعداد المدني. وما زال الكتيب النسخة الرسمية المعتمدة بحسب الجهة الحكومية المختصة، التي أكدت ذلك في تحديثها المنشور عام 2026.

وكان بوريس بيستوريوس (Boris Pistorius)، وزير الدفاع الألماني، قد حذر في 5 يونيو 2024 بقولٍ خطير أمام البرلمان الألماني: “Wir müssen bis 2029 kriegstüchtig sein” الترجمة: (يجب أن نكون قادرين على خوض الحرب بحلول عام 2029). وتستهدف ألمانيا بلوغ إنفاق دفاعي يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، وفق الحكومة الألمانية، إلى جانب تطوير القوات المسلحة.

ودعا فلاديسواف كوسينياك-كاميش (Władysław Kosiniak-Kamysz)، نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع البولندي، في 13 أكتوبر 2026 إلى نقل قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية إلى ما وصفه بـ(وضع الحرب) (War Mode)، لتسريع إنتاج الأسلحة والذخائر ومجاراة وتيرة الإنتاج العسكري الروسي.

وفي 2 أكتوبر 2026، كشفت إذاعة بولندا عن إعداد وزارة الدفاع مشروع قانون أُطلق عليه إعلاميًا «قانون ما قبل الحرب» (Pre-war law)، ويهدف المشروع إلى تسهيل الاستعداد لحالة الحرب.

وسبق أن قال دونالد توسك (Donald Tusk) في 31 يوليو 2025 إن أوروبا تعيش مرحلة ما قبل الحرب، وإن صراعًا عالميًا يتشكل أمام أعيننا. وربط تحذيره بتقديرات أمنية كانت تشير آنذاك إلى احتمال استعداد روسيا لمهاجمة الناتو بحلول عام 2027.

المحور الثاني: أين تقف أفريقيا من مخاطر حرب عالمية شاملة مع وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها قد تصبح مناطق حرب مدمرة ؟

وهل تمتلك أفريقيا القُدرة على حماية أراضيها ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية، وتأمين الغذاء والطاقة والطرق التجارية، إذا تحول التصعيد الدولي إلى مواجهة عسكرية واسعة ؟

إن من يتابع سياسات الدفاع في الدول الأفريقية عمومًا يدرك أن بعضها يُدرك مخاطر ما يجري في العالم، بينما تعيش بعض الحكومات الأفريقية في غياب شبه تام عن تداعيات الحروب القادمة، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لا تتوافر أدلة علنية كافية للقول إن الدول الأفريقية تستعد، ضمن خطة قارية موحدة، لحرب عالمية قادمة حتى حدود عام 2030، لكن توجد مؤشرات واضحة على تعزيز القدرات العسكرية في بعض البلدان الأفريقية، وتوسيع التعاون الدفاعي، والاستعداد لتهديدات أمنية متزايدة.

ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري الأفريقي نحو 58.2 مليار دولار عام 2025، بزيادة 8.5% عن عام 2024. كما بلغ الإنفاق في شمال أفريقيا 35 مليار دولار، فيما وصل في أفريقيا جنوب الصحراء إلى 23.3 مليار دولار، وأرى أن هذه الإنفاقات قد رُصد كثير منها لمحاربة الجماعات المسلحة الإرهابية، وليست موجهة للاستعداد لحرب عالمية قادمة قبل عام 2030، بحسب تصريحات قادة أوروبا.

هناك مناورات عسكرية متعددة في بعض مناطق أفريقيا، منها استضافة تونس والمغرب وغانا والسنغال مناورات (الأسد الأفريقي 2026)، بمشاركة أكثر من 40 دولة ونحو 5,600 عسكري، بهدف تطوير التنسيق والجاهزية العملياتية. إلا أن هذه المناورات لا تثبت أن المشاركين يستعدون لحرب عالمية، فهي جزء من التعاون العسكري والتدريب المشترك، وقد تكون موجهة لمحاربة الجماعات المسلحة الإرهابية التي تنشط بقوة في مختلف مناطق أفريقيا.

والجزائر من أبرز الدول الأفريقية إنفاقًا على الدفاع؛ إذ بلغ إنفاقها العسكري نحو 25.4 مليار دولار في 2025 وفق SIPRI. ويرتبط ذلك أساسًا بالتوازنات الإقليمية والاعتبارات الأمنية، ولا يُعد بحد ذاته دليلًا على الاستعداد لحرب عالمية.

وتأتي مصر في المرتبة الثانية، حيث تركز على حماية الحدود وأمن قناة السويس والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وتطوير قدرات القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي.

وتأتي المغرب في الترتيب الثالث، حيث طورت التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، وتشارك في مناورات متعددة الجنسيات تشمل التدريب على العمل المشترك ومواجهة التهديدات الحديثة.

وتأتي جنوب أفريقيا في الترتيب الرابع، حيث تمتلك قاعدة صناعية ودفاعية وخبرة في التعاون العسكري الإقليمي، لكن إنفاقها العسكري بلغ نحو 3.2 مليارات دولار في 2025، مع استمرار الضغوط المالية على قطاع الدفاع.

وتأتي نيجيريا في الترتيب الخامس، وقد رفعت إنفاقها العسكري في 2025 بنحو 55% ليصل إلى قرابة 2.1 مليار دولار، في سياق تفاقم التحديات الأمنية والتمرد المسلح داخل البلاد.

هذه أمثلة على اتجاهات مختلفة، وليست ترتيبًا لأقوى الجيوش أو دليلًا على وجود خطة مشتركة للتحضير لحرب عالمية.

المحور الثالث: خطر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا وتوظيفها في حرب عالمية قادمة بين محور الغرب وروسيا والصين وحلفائهما قبل عام 2030

إن أي حرب عالمية قادمة قد يكون الدمار فيها كبيرًا في أفريقيا؛ لأنها تستضيف قواعد عسكرية تابعة لهذه الدول المتصارعة، وهو خطر ينبغي تداركه؛ فقد كانت 23 دولة أفريقية من أصل 54 تستضيف وجودًا عسكريًا لدول من خارج القارة، وفق تقرير مؤسسة مو إبراهيم لعام 2023، وقد رصد التقرير وجود 14 دولة أجنبية لها حضور عسكري في أفريقيا.

كما أشارت حملة (لا قواعد في أفريقيا) التابعة لمنظمة World BEYOND War إلى وجود نحو 49 موقعًا عسكريًا أمريكيًا في أفريقيا، إلا أن هذا الرقم يعتمد تعريفًا واسعًا للمواقع، ولا يعني وجود 49 قاعدة أمريكية دائمة مستقلة.

وتدير الولايات المتحدة أكثر من 20 موقعًا عسكريًا في أفريقيا، إضافة إلى معسكر ليمونييه الرئيسي في جيبوتي. وقد ذكر مسؤولون أمريكيون في يونيو 2025 أن المنشأة تضم نحو 3,300 عسكري وموظف مدني. كما تستخدم القوات الأمريكية، بالتعاون مع القوات الكينية، منشأة خليج ماندا (Manda Bay) في كينيا، خصوصًا لدعم العمليات الأمنية ومكافحة الجماعات المسلحة في شرق أفريقيا. وأجرت القوات الأمريكية والكينية تدريبات مشتركة للدفاع عن المنشأة في سبتمبر 2026.

ولفرنسا قواعد عسكرية في أفريقيا، منها قاعدتها الدائمة في جيبوتي، وفق إعادة تنظيم الوجود الفرنسي التي اكتملت في صيف 2025، كما تحتفظ في ساحل العاج والغابون بمفرزتي ارتباط وتعاون عسكري، ولا تُحسبان قاعدتين فرنسيتين دائمتين مستقلتين.

وتعتمد روسيا بدرجة كبيرة على قوات فيلق أفريقيا (Africa Corps)، الخاضع لوزارة الدفاع الروسية، وعلى ترتيبات أمنية ولوجستية مع الحكومات المحلية. كما كثفت وجودها، بحسب تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي المحدّث في 8 أبريل 2026، وتحليل معهد الأبحاث الدفاعية السويدي المنشور في أكتوبر 2026، في ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا الاستوائية والسودان وتوغو.

وينبغي التنبيه هنا إلى أن تقديرات أعداد القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا ليست دقيقة بصورة كاملة؛ لذلك تختلف الأرقام من مركز أبحاث إلى آخر، وذلك لأن بعض هذه المنشآت سرية ولا يُعلن عنها، كما أن بعضها الآخر يدخل ضمن منشآت أو قواعد تابعة للأمم المتحدة.

وتشكل هذه القواعد الأجنبية كما أسلفتُ خطرًا على مستقبل الأمن والاستقرار في أفريقيا، وقد تجعل القارة ساحة حرب مفتوحة في أي حرب عالمية شاملة قادمة، ومِن ثم يرى كثيرون ضرورة إعادة النظر في استمرار هذا الوجود العسكري الأجنبي قبل اندلاع صراعات قد تدفع الشعوب الأفريقية ثمنها الباهظ.

المحور الرابع: ما مدى جاهزية أفريقيا لمواجهة تداعيات الحرب العالمية القادمة استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا؟

يمكن القول بلا ريب ولا شك إن أفريقيا لا تبدو جاهزة بصورة كافية، استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا، لمواجهة تداعيات حرب عالمية واسعة؛ فهي ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على الأسلحة الغربية أو الشرقية، وتعتمد إلى حد كبير على التكنولوجيا العسكرية المستوردة من خارج القارة، وهو ما يجعل هامش استقلاليتها الاستراتيجية محدودًا. لذلك كان من الأجدر الحد من منح القواعد العسكرية الأجنبية للقوى المتصارعة في أفريقيا، حتى لا تدفع الشعوب الأفريقية ثمن تلك الحروب القادمة وهي في غنى عنها.

وتخوض أوكرانيا وروسيا اليوم أشكالًا من التنافس غير المباشر داخل أفريقيا. فقد امتد التنافس بين البلدين إلى الساحة الأفريقية، خصوصًا في مالي ومنطقة الساحل وليبيا. وأثارت تصريحات أندريه يوسوف، المتحدث باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، جدلًا واسعًا عقب المعركة التي اندلعت قرب بلدة تينزاواتين شمال مالي بين 25 و26 يوليو 2024 على الحدود الجزائرية، والتي دارت بين قوات الطوارق الانفصالية والقوات المالية ومقاتلين روس من مجموعة فاغنر المرتزقة قبل تغيير اسمها إلى الفيلق الأفريقي. وأسفرت المعركة عن مقتل عشرات من عناصر فاغنر والجنود الماليين، بحسب المصادر المالية والروسية.

وقد قال أندريه إن المتمردين حصلوا على معلومات من أوكرانيا ساعدتهم على تنفيذ العملية، لكن هذا التصريح لم يثبت بصورة مستقلة جميع تفاصيل الدعم الأوكراني المزعوم، كما نفى ممثل عن المتمردين تلقيهم أي مساعدة خارجية خلال المعركة.

وبحسب تقرير لوكالة فرانس برس نُشر في 9 أكتوبر 2026، إلى جانب تقارير أخرى عن توسع الدور الأوكراني في شمال مالي، أفادت بعض المصادر بوجود نحو 15 مختصًا أوكرانيًا في مجال الطائرات المسيّرة يساعدون جبهة تحرير أزواد (FLA)، التي تقاتل الجيش المالي وحلفاءه الروس. وتشير تلك التقارير إلى أدوار في التدريب والتخطيط العملياتي والمساعدة في تشغيل المسيّرات، وإن كنت أرى أن نسبة هذا الدور إلى أوكرانيا قد تكون محاولة لإخفاء الفاعلين الحقيقيين على الأرض.

وفي أبريل 2026، نشرت إذاعة فرنسا الدولية، ونقلت عنها يورونيوز، تحقيقًا أشار إلى وجود أكثر من 200 عسكري ومتخصص أوكراني في غرب ليبيا، وإلى وجود مواقع تُستخدم لتشغيل الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية. كما ربط التحقيق بين الوجود الأوكراني والهجوم الذي استهدف ناقلة الغاز الروسية (أركتيك ميتاغاز) في مارس 2026. كذلك نقلت وكالة أسوشيتد برس روايات لمسؤولين ليبيين عن دور أوكراني محتمل في ذلك الهجوم.

كما أشارت تقارير صحفية إلى وجود مختصين أوكرانيين في السودان في إطار التنافس مع روسيا، إلا أن المعلومات المتاحة بشأن أعدادهم ما تزال محدودة للغاية. وتهدف أوكرانيا، ومن خلفها فرنسا وحلف الناتو بحسب هذا التصور، إلى إشغال روسيا خارج الجبهة الأوروبية، واستهداف شبكات النفوذ الروسي، وتوسيع قدرات الحرب بالمسيّرات، وإظهار قدرة كييف على مواجهة المصالح الروسية خارج حدود أوروبا، والثأر من الروس خارج محيطهم المباشر.

وقد اتخذت مالي والنيجر وبوركينا فاسو موقفًا واضحًا تجاه أوكرانيا؛ ففي أغسطس 2024 أعلنت مالي قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا، ثم اتخذت النيجر خطوة مماثلة. وفي ديسمبر 2024 أعلنت بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، وسط اتهامات تتعلق بدعم الجماعات المسلحة الإرهابية في مالي وغيرها.

وكل هذه التطورات الجيوسياسية تؤكد أن أفريقيا قد تدفع ثمنًا باهظًا في أي حرب عالمية قادمة، بسبب وجود القواعد العسكرية الأجنبية التابعة لقوى عالمية متنافسة على النفوذ والموارد. كما أن كثيرًا من القادة الأفارقة، بحسب هذا الطرح، لم يدركوا بعد خطورة هذه السياسات وما قد يترتب عليها من تحويل أفريقيا إلى ساحة للصراعات الدولية المسلحة، في ظل هشاشة البنية الاقتصادية والأمنية والسياسية في عدد من دول القارة.

إن اندلاع حرب عالمية واسعة لن يكون مجرد مواجهة عسكرية بين القوى الكبرى المتصارعة، بل قد يتحول إلى صدمة اقتصادية عابرة للقارات، تتجاوز ميادين القتال لتطال الطاقة والغذاء والتجارة والديون والعملات والاستقرار الاجتماعي، وستكون أفريقيا أمام اختبار استراتيجي بالغ الخطورة، إذ ستتوقف قدرة دولها على الصمود بدرجة كبيرة على مستوى اعتمادها على الواردات، وحجم احتياطياتها المالية، وتنوع إنتاجها، وقدرتها على تأمين الغذاء والطاقة ووسائل النقل.

فإذا تعطلت إمدادات النفط أو الغاز، أو تضررت حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وبقية الممرات البحرية الحيوية، وهو أمر وارد في أي حرب عالمية قادمة، فقد ترتفع أسعار الوقود والنقل والكهرباء في أفريقيا بصورة كبيرة. وستتضرر الدول المستوردة للوقود بشكل مباشر، كما ستؤدي الحرب العالمية الشاملة إلى تعطيل صادرات الحبوب، ورفع أسعار الأسمدة والوقود، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين. وستكون آثار ذلك أشد وطأة على الدول التي تعتمد على استيراد القمح والأرز أو على مدخلات الإنتاج الزراعي، وستزداد الضغوط على الدول الأفريقية المستوردة للغذاء والوقود والأسمدة وغيرها، وقد تتسع فجوات الموازنات العامة وترتفع الأسعار، وتصبح المخزونات الغذائية وتوافر النقد الأجنبي عاملين حاسمين في مواجهة الأزمات المحتملة.

وفي المقابل، تستطيع الدول الأفريقية التي تستثمر في الزراعة المحلية والطاقة والتصنيع والتجارة البينية الأفريقية والاحتياطيات الاستراتيجية أن تقلل من اعتمادها على الأسواق البعيدة، وإن لم تتمكن من عزل نفسها تمامًا عن تداعيات أي أزمة عالمية واسعة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى