الساحل الإفريقي وحرب إيران: أمن غذائي مهدد وفرص لتمدد الإرهاب

في عالمٍ باتت فيه الأزمات مترابطة على نحوٍ غير مسبوق، لم تعد الحروب حبيسة جغرافيتها، بل تجاوزت حدودها لتصيب أطرافًا بعيدة لم تكن يومًا طرفًا مباشرًا في الصراع. هكذا، حين تهتز طهران تحت وطأة التوترات الإقليمية، لا يظل الساحل الإفريقي بمنأى عن التداعيات، بل يجد نفسه في قلب معادلة معقدة تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع الغذاء.
فالحرب اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى قوة ممتدة تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتضغط على أسواق الطاقة، وتكشف في الوقت ذاته هشاشة الاقتصادات التي تعتمد على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية. وفي هذا السياق، يبرز الساحل الإفريقي كأحد أكثر الأقاليم عرضة لهذه الصدمات المركبة، حيث تتداخل أزمات الفقر وضعف البنية الاقتصادية مع الاضطرابات الدولية، لتنتج واقعًا هشًا يتغذى عليه عدم الاستقرار.
ومن ثم، لا يمكن فهم تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط بمعزل عن انعكاساتها في إفريقيا، خاصة في منطقة الساحل التي باتت ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ الدولي. فبينما تنشغل القوى الكبرى بصراعاتها، يبقى المواطن الإفريقي الحلقة الأضعف، يتحمل كلفة أزمات لم يكن طرفًا فيها، لكنه يقع في صميم نتائجها.
أولًا اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتأثيره على الغذاء في إفريقيا:
يمثل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية أحد أبرز التحديات التي واجهت النظام الغذائي الدولي خلال العقود الأخيرة، خاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة. فمع تصاعد التوترات والنزاعات، تتعطل حركة السلع الأساسية، وعلى رأسها الحبوب والأسمدة والطاقة، مما ينعكس بشكل مباشر على الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد. وتُعد إفريقيا من أكثر المناطق هشاشة أمام هذه الاضطرابات، حيث تعتمد العديد من دولها على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها الغذائية، الأمر الذي يجعل أي خلل في سلاسل الإمداد تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
تقف إفريقيا في قلب التداعيات غير المباشرة للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، لأن اعتمادها الكبير على الخارج في الطاقة والغذاء والتجارة يجعلها شديدة التأثر بأي اضطراب دولي. لذلك تنتقل آثار الصراع سريعًا إلى داخل القارة عبر ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وتزايد هشاشة الأوضاع المعيشية.
اقترن التصعيد العسكري بتنامي المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، وهما ممران حيويان للتجارة العالمية ولإمدادات الغذاء المتجهة إلى إفريقيا. وقد دفعت هذه التطورات عددًا من شركات الشحن الدولية إلى تحويل مسارات السفن بعيدًا عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح. هذا التحول يزيد زمن الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا بمدد تتراوح بين 10 و15 يومًا إضافيًّا، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل ملحوظ. وبالنسبة إلى الدول الإفريقية المعتمدة على الاستيراد الغذائي؛ خاصة في شرق القارة والقرن الإفريقي، فإن هذه الزيادة في تكاليف النقل تنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية مثل الحبوب والزيوت والأسمدة. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل اعتماد العديد من الاقتصادات الإفريقية على الواردات الغذائية لتغطية أكثر من 40% من احتياجاتها الغذائية. ومع استمرار التوترات قد تتفاقم الاختناقات اللوجستية، ما يهدد بارتفاع أسعار الغذاء وزيادة هشاشة الأمن الغذائي في دول تعاني أساسًا الجفافَ أو النزاعات الداخلية.
بينما انصبّ جانب كبير من الاهتمام العالمي على النفط، فإن هذا الممر الحيوي يُعد أيضاً طريقاً أساسياً لنقل الأسمدة، ما يهدد المحاصيل والوجبات اليومية على حد سواء. وحتى مع دخول الهدنة حيز التنفيذ، لا تزال أعداد قليلة فقط من السفن تعبر، بحسب CNN. فبحسب الأمم المتحدة، تتراوح تكاليف واردات الغذاء السنوية لإفريقيا بين 70 و100 مليار دولار. كما تستورد القارة أكثر من 6 ملايين طن من الأسمدة سنوياً. إضافة إلى ذلك، يتجاوز إنفاق إفريقيا على المنتجات النفطية المكررة 120 مليار دولار سنوياً. وحتى قبل اندلاع النزاع، حذّر برنامج الأغذية العالمي من عام “كارثي”، مع توقُّع أن يواجه 55 مليون شخص في غرب ووسط إفريقيا مستويات أزمة من الجوع. .
أكد خبراء أن الدول الأفريقية، حيث يعتمد المزارعون بشكل كبير على الأسمدة المستوردة، ويُخصص جزء كبير من دخل الأسر للغذاء، معرضة بشكل خاص لاضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط. وقد أدى النزاع إلى تعطيل التجارة بشكل كبير عبر مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي ليس فقط للنفط والغاز، بل أيضاً للأسمدة التي تُنتج بكميات هائلة في منطقة الخليج. وتُصنف الدول الأفريقية من بين أكثر الدول اعتماداً على واردات الأسمدة بحراً من الشرق الأوسط. ويشير تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) (UNCTAD) إلى أن 54% من أسمدة السودان تصل عبر هذا الطريق. أما في الصومال وكينيا، فتبلغ النسبة 30% و26% على التوالي. ويُنقل نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحراً، وهي عنصر أساسي في تحسين الإنتاجية الزراعية، عبر مضيق هرمز.
يُنقل نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا، وهي عنصر زراعي حيوي لتحسين الإنتاجية، عبر مضيق هرمز. ويُنتج جزء كبير من الأسمدة العالمية في الخليج العربي، الذي يزخر بالغاز الأحفوري الرخيص – وهو عنصر بالغ الأهمية في صناعة الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا – كما يُنتج كميات كبيرة من الكبريت، وهو منتج ثانوي يُستخدم في صناعة الأسمدة الفوسفاتية.
في السودان والصومال وإثيوبيا، “يعيش ملايين الأشخاص بالفعل ظروفًا من الجفاف والجوع والنزوح والصراع”، وفق ما قاله ميلاكو يرجا Milako Yerga، نائب رئيس منظمة ميرسي كوربس Mercy Corps لشؤون إفريقيا، لشبكة CNN. وحذَّر من أننا قد نكون على أعتاب “أول أزمة كبرى في عصر ما بعد المساعدات، حيث تكون الحاجة هائلة، لكن الاستجابة ببساطة لا تأت”. وأفادت لجنة الإنقاذ الدولية بحدوث اضطرابات كبيرة في إيصال المساعدات الحيوية بسبب تأخيرات الشحن. وأوضحت اللجنة أن إمدادات دوائية مخصصة لدعم 20 ألف شخص في السودان الذي مزقته الحرب – “حيث بلغت الاحتياجات مستويات كارثية بالفعل” – عالقة، كما أن أكثر من 600 صندوق من الأغذية العلاجية القادرة على إنقاذ حياة أكثر من ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد في الصومال لا تزال عالقة هي الأخرى. ويعتمد السودان والصومال على استيراد الأسمدة التي تمر عبر مضيق هرمز، ويواجهان مخاطر متزايدة لحدوث جوع حاد إذا استمرت الأزمة، بحسب برنامج الأغذية العالمي.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية لا يقتصر تأثيره على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا إنسانية وأمنية عميقة داخل القارة الإفريقية. ومن ثم، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجيات أكثر مرونة، مثل تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء احتياطيات غذائية قادرة على امتصاص الصدمات. فبدون هذه الإجراءات، ستظل إفريقيا عرضة لتداعيات الأزمات العالمية، مما يفاقم من حدة الفقر ويهدد الاستقرار في العديد من دولها.
ثانيًا: ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساته على الأمن الغذائي
يشكّل ارتفاع أسعار الطاقة أحد أبرز التحديات التي تضغط على منظومات الأمن الغذائي عالميًا، خاصة في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء ومدخلات إنتاجه. فالطاقة ليست مجرد عنصر منفصل عن القطاع الزراعي، بل هي عصب أساسي في عمليات الزراعة والنقل والتخزين والتصنيع الغذائي. ومع تصاعد الأزمات الجيوسياسية وتقلبات أسواق النفط والغاز، تتزايد تكلفة الإنتاج الغذائي، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية ويهدد قدرة الفئات الأكثر هشاشة على تأمين احتياجاتها الغذائية.
تستعد الدول الأفريقية للصدمات المحتملة. صرّح وزير الطاقة الكيني، أوبيو وانداي Opiyo Wandayi ، مؤخرًا بأن بلاده قد حددت مواعيد استيراد المنتجات البترولية حتى نهاية أبريل/نيسان 2026. وأضاف أن الوزارة ستواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرار الإمدادات دون انقطاع. وفي تنزانيا، وجّهت الرئيسة، سامية سولوهو حسن Samia Soloho Hassan، وزارة الطاقة بتعزيز احتياطيات الوقود الاستراتيجية. وقد طبّقت إثيوبيا دعمًا خاصًا للوقود للتخفيف من الصدمة الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط العالمية، بينما حذّرت زامبيا تجار التجزئة من احتكار الوقود. وعلى الرغم من وجود آليات لدى بعض الدول، كالدعم، للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار النفط، إلا أنها قد لا تكون كافية للتخفيف من الآثار على المدى الطويل. وقد واجهت القارة صدمات مماثلة في عام 2022 عندما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تعطيل سلاسل الإمداد. على الجانب الآخر من سلسلة التوريد، قد يعني ارتفاع أسعار النفط الخام زيادة في إيرادات مصدري النفط مثل نيجيريا والجزائر وأنغولا، مع توجه دول أخرى نحوها. أما على صعيد التوريد الأفريقي، فتؤثر الحرب على الصادرات الأفريقية إلى الشرق الأوسط أو عبره جوًا وبحرًا. وفي الأسبوع الماضي، صرّح وزير الزراعة الكيني، موتاهي كاغوي Motahi Kagoi ، بأن النزاع قد عطّل صادرات اللحوم والشاي وغيرها من المنتجات الغذائية إلى الشرق الأوسط.
تباينت استجابات الحكومات الإفريقية للأزمة الناجمة عن النزاع؛ فقد خفّضت رئيسة تنزانيا، سامية سولوهو حسن، من حجم موكبها، ووجهت المسؤولين المرافقين لها إلى التنقل معًا في حافلات مشتركة لتوفير الوقود في ظل ارتفاع أسعار النفط. وأعلنت مدغشقر حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة بسبب الاضطرابات المستمرة في الإمدادات. وفي جنوب السودان، حيث يُولَّد معظم الكهرباء من الوقود الأحفوري، فُرض تقنين للكهرباء في العاصمة استجابة لنقص النفط. ورغم أن جنوب السودان يُنتج النفط للتصدير، فإنه يفتقر إلى قدرات تكرير كافية، ما يضطره إلى استيراد معظم احتياجاته. وفي ملاوي، ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 34%، بينما قفزت أسعار وقود الطائرات بنسبة 81%.
بدأت آثار النزاع تظهر بالفعل في أسواق الوقود الإقليمية. ونظرًا لارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، نصح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد Abiy Ahmed المواطنين بترشيد استهلاك الوقود وتخصيصه للضروريات. وقد أصدرت الحكومة مؤخرًا تعليمات لجميع المؤسسات العامة والشركات المملوكة للدولة بمنح الموظفين غير الأساسيين إجازات سنوية في محاولة للتخفيف من أزمة نقص الوقود التي تعيق حركة النقل في جميع أنحاء البلاد. وتستهلك إثيوبيا وحدها حوالي 103,689 برميلًا من النفط يوميًا، وفقًا لإحصاءات الطاقة الدولية، أي ما يعادل 37-44 مليون برميل سنويًا. وتنفق إثيوبيا أكثر من 4.2 مليار دولار سنويًا على واردات الوقود، معظمها من دول الشرق الأوسط. وفي أديس أبابا، يُوصف الوضع بأنه خزانات وقود فارغة، وأيام أطول لمدينة لا تهدأ.
إن العلاقة بين أسعار الطاقة والأمن الغذائي علاقة طردية معقدة؛ فكل زيادة في تكاليف الوقود تؤدي إلى ارتفاع تكلفة تشغيل الآلات الزراعية، وأسعار الأسمدة المرتبطة بالصناعات البتروكيميائية، فضلًا عن تضاعف نفقات النقل والشحن. وفي السياق الإفريقي، تتفاقم هذه الأزمة بسبب ضعف البنية التحتية وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، ما يجعل الأسواق المحلية أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ولا يتوقف الأمر عند الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية خطيرة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى زيادة معدلات الفقر وسوء التغذية، وقد يساهم في خلق بيئة خصبة للاضطرابات وعدم الاستقرار.
وتعاني الحكومات في جميع أنحاء أفريقيا بالفعل من ضغوط الميزانية، وبالتالي فهي عرضة بشكل خاص لاضطرابات سلاسل التوريد. وقال جيرفين نايدو Gervin Naidu، المحلل السياسي في شركة أوكسفورد إيكونوميكس أفريكا الاستشارية Oxford Economics Africa: “أي اضطرابات أو صدمات تؤثر علينا جميعًا”. وقال إكس إن إيراكي XN Iraqi، أستاذ إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة نيروبي، إن تأثير ارتفاع أسعار النفط سيكون محسوسًا “بشكل حاد” في أفريقيا لأن معظم سكان القارة يعملون في القطاع غير الرسمي، حيث “الدخل غير مضمون”. قالت راما يادي Rama Yadi، المديرة الأولى لمركز أفريقيا التابع للمجلس الأطلسي، في تصريح لها على قناة X، إن ارتفاع أسعار النفط يشكّل “تحديات اقتصادية خطيرة” للعديد من حكومات القارة. وأضافت أن الحكومات قد تُضطر إلى زيادة الدعم أو تحميل المستهلكين التكلفة، “مما قد يُؤدي إلى ضغوط اجتماعية وسياسية”.
وقال سيمون مولونجو Simon Molongo، المبعوث الخاص السابق للاتحاد الإفريقي إلى الصومال ومنطقة الساحل، لشبكة CNN، إن وقف إطلاق النار المؤقت جاء متأخرًا للغاية للتخفيف من معاناة الدول الإفريقية التي تواجه ارتفاع أسعار الموارد. وأضاف: “لقد جاء متأخراً وبشكل غير متكافئ”، مشيرًا إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في القارة ما زالت تواجه “ضغوطاً على العملات، وتراجع الدعم، وارتفاع أسعار الوقود”. من جانبها، قالت أستاذة العلوم السياسية ومحللة الأمن الدولي فولا آينا Fula Aina: “الصدمات السابقة مثل جائحة فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية تُظهر أن الاقتصادات الإفريقية لا تزال شديدة التعرض للتقلبات العالمية.”.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري تبني سياسات متكاملة تخفف من أثر تقلبات أسعار الطاقة على الأمن الغذائي، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، والاستثمار في سلاسل إمداد أكثر كفاءة واستدامة. فالتعامل مع هذه الأزمة لا يقتصر على حلول آنية، بل يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تضمن تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الغذائي وتقليل الهشاشة أمام الأزمات العالمية.
ثالثًا: هشاشة الاقتصادات الإفريقية أمام الصدمات الجيوسياسية:
تُعدّ الاقتصادات الإفريقية من أكثر الاقتصادات عرضةً للتأثر بالصدمات الجيوسياسية العالمية، نظرًا لاعتمادها الكبير على الواردات في مجالات حيوية مثل الغذاء والطاقة، إلى جانب محدودية التنويع الاقتصادي وضعف البنية التحتية. ومع تصاعد التوترات الدولية وتكرار الأزمات، باتت هذه الاقتصادات تقف في مواجهة مباشرة مع تقلبات لا تتحكم فيها، ما يكشف عن هشاشة هيكلها ويضعف قدرتها على الصمود والتكيّف.
تواجه إفريقيا تصورات تقليدية باعتبارها الأكثر هشاشة أمام الاضطرابات الجيوسياسية وتراجع المساعدات، إلا أن بعض اقتصاداتها أظهرت قدرة كبيرة على التكيف، وتمكنت من تحقيق نمو ملحوظ رغم الضغوط العالمية المتزايدة وتشير تقديرات دولية إلى أن عدة دول إفريقية ستكون ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في عام 2026، مدفوعة بعوامل هيكلية مثل انخفاض التعرض للصدمات وتحسن القدرة المؤسسية على إدارتها ومواجهة التقلبات الخارجية. وتكشف التجارب عن تباين واضح بين الدول الإفريقية؛ فبينما واجهت دول تعتمد على المساعدات صعوبات كبيرة، نجحت أخرى في تعبئة الموارد وتنويع التجارة وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية وتقليل آثار الصدمات.
وقد أدى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، إلى انخفاض أسعار النفط الخام إلى حوالي 100 دولار للبرميل، وارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى ما يزيد عن 200 دولار. كما فاقم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، من حدة الصدمة. وعلى الرغم من بُعدها الجغرافي، تواجه شرق أفريقيا تداعياتٍ تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب التجارة والطيران، وتوتر سلاسل الإمداد الغذائي. وتنشأ مخاطر إضافية من عدم الاستقرار في طرق الشحن الرئيسية، مثل البحر الأحمر وقناة السويس، مما قد يُجبر الدول على سلوك طرق بديلة مكلفة حول أفريقيا.
قد فرضت التحولات الجيوسياسية والتجارية الراهنة حالة واسعة من عدم اليقين على الاقتصاد العالمي؛ حيث أدت اضطرابات التجارة والحروب، وتراجع المساعدات الخارجية إلى دفع الحكومات والمستثمرين لإعادة تقييم المخاطر. وتُصوَّر إفريقيا غالبًا باعتبارها الحلقة الأضعف في هذا المشهد بسبب اعتمادها التاريخي على التمويل الخارجي وهشاشة اقتصاداتها أمام الصدمات العالمية. إلا أن التجارب الأخيرة تشير إلى صورة مختلفة؛ إذ أظهرت العديد من الاقتصادات الإفريقية قدرة ملحوظة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية الدولية، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في التصورات التقليدية التي تضع القارة ضمن فئة المخاطر المرتفعة بشكل موحد.
وتشير تقديرات دولية إلى أن القارة تستورد سنوياً ما بين 70 و100 مليار دولار من الغذاء، وأكثر من 120 مليار دولار من المنتجات البترولية المكررة، إلى جانب ما يزيد على 6 ملايين طن من الأسمدة. أدّى اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى زيادات حادة في الأسعار. ففي دول مثل نيجيريا ومالاوي، ارتفعت أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 30% و50%، بينما قفزت أسعار الأسمدة بأكثر من 40%، ما يهدد مباشرة الموسم الزراعي في غرب ووسط إفريقيا. تؤكد هذه المؤشرات ما خلصت إليه تقارير سابقة خلال أزمتي كورونا -19 والحرب الروسية–الأوكرانية، حيث أظهرت الحكومات الإفريقية محدودية قدرتها على بناء بدائل سريعة، واضطرارها إلى اللجوء للاقتراض المكلف، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية واتساع فجوة الأمن الغذائي.
تتجلى هشاشة الاقتصادات الإفريقية في سرعة انتقال آثار الأزمات العالمية إليها، سواء من خلال ارتفاع أسعار السلع الأساسية أو اضطراب سلاسل الإمداد. فمع كل أزمة جيوسياسية—كالحروب أو العقوبات الاقتصادية—تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتزداد الضغوط على الحكومات التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد. كما أن الاعتماد على تصدير المواد الخام يجعل هذه الدول رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، دون امتلاك أدوات كافية لامتصاص الصدمات. ويُفاقم ذلك ضعف التكامل الإقليمي، ما يحدّ من فرص التعاون المشترك لتجاوز الأزمات.
تراجع الاستثمارات والتحويلات تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى زيادة عزوف المستثمرين عن الأسواق الناشئة، بما فيها إفريقيا، حيث يتجهون نحو الأصول الآمنة مثل الدولار والذهب. ويقلل هذا التحول من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويؤثر على تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة. كما أن اقتصادات الخليج، التي تستضيف أعدادًا كبيرة من العمالة الإفريقية، قد تتأثر بالحرب، ما يهدد تدفقات التحويلات المالية. ومع اعتماد ملايين الأسر الإفريقية على هذه التحويلات مصدرًا رئيسيًا للدخل، فإن أي تراجع فيها قد يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك وزيادة معدلات الفقر، ويؤثر سلبًا على الاستقرار الاجتماعي.
في ظل هذه التحديات، يصبح تعزيز مرونة الاقتصادات الإفريقية ضرورة ملحّة، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتطوير الإنتاج المحلي، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية. فبدون إصلاحات هيكلية حقيقية، ستظل هذه الاقتصادات عرضة لتداعيات الأزمات الجيوسياسية، مما يهدد مسارات التنمية والاستقرار في القارة على المدى الطويل.
رابعًا: تفاقم الفقر كبيئة حاضنة لتمدد الجماعات الإرهابية
يُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه العديد من الدول، خاصة في المناطق الهشّة التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة وتراجع فرص التنمية. ومع تزايد الأزمات الاقتصادية والصراعات الإقليمية، يتحول الفقر من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى عامل محفّز لعدم الاستقرار، حيث يخلق بيئة خصبة تستغلها الجماعات الإرهابية في استقطاب الأفراد وتوسيع نفوذها، مستفيدة من الإحباط والتهميش وغياب البدائل.
عد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فتحت إيران، من خلال شبكتها الإقليمية من الوكلاء، بما في ذلك حزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية العراقية، جبهات متعددة ضد إسرائيل والقوات الأمريكية. وقد أدى اغتيال إسرائيل لزعيم حزب الله حسن نصر الله في سبتمبر/أيلول 2024، وما تلاه من غزو بري لجنوب لبنان وضربات على منظومات الدفاع الجوي الإيرانية إس-300 الروسية الصنع في أكتوبر/تشرين الأول 2024، إلى تغيير جذري في موازين القوى.
قد يستهدف الحوثيون مواقع عسكرية إماراتية أو إسرائيلية أو أمريكية في القرن الأفريقي إذا انضموا إلى حملة إيران الانتقامية الإقليمية. وقد شنت إيران هجمات على إسرائيل وقواعد أمريكية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست، ردًا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية. وتحملت الإمارات العربية المتحدة، تليها الكويت وقطر، العبء الأكبر من مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية التي أُطلقت على شبه الجزيرة العربية. وتهدف هذه الحملة إلى استغلال ضعف دفاعات دول مجلس التعاون الخليجي نسبيًا مقارنةً بإسرائيل والقواعد الأمريكية في شبه الجزيرة العربية، لإجبار المجلس على الضغط على الولايات المتحدة لوقف الهجمات على إيران والدخول في مفاوضات، على الرغم من رفض دول المجلس السماح لإسرائيل والولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي لمهاجمة إيران.
ويمكن للحوثيين استهداف مواقع عسكرية إماراتية أو إسرائيلية في منطقة أرض الصومال المستقلة بحكم الأمر الواقع، كجزء من حملة هجومية في البحر الأحمر. قامت الإمارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة بتحديث منشآتها العسكرية في مدينة بربرة الساحلية بصوماليلاند، التي تقع على بعد أقل من 200 ميل من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند مضيق باب المندب. وتشمل هذه المنشآت الإماراتية ميناءً عسكرياً حديثاً، وحوضاً للمياه العميقة، ومهبطاً للطائرات مزوداً بحظائر ومرافق أخرى لدعم العمليات العسكرية الإماراتية في اليمن والقرن الأفريقي. وقد ساعدت الإمارات في تسهيل اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو ما اعتبره مركز دراسات السياسة الخارجية (CTP) هدفاً جزئياً لتعزيز العمق الاستراتيجي الإسرائيلي لمواجهة الحوثيين. وكان مسؤولون إسرائيليون وصوماليون قد ناقشوا خيارات القواعد العسكرية كجزء من محادثات الاعتراف، وأكد مسؤولون صوماليون في يناير/كانون الثاني أن محادثات إنشاء القواعد لا تزال جارية. وذكرت وكالة فرانس برس في 2 مارس/آذار أنه “من المحتمل أن تكون القوات الإسرائيلية موجودة بالفعل في قاعدة بربرة العسكرية”، ونقلت عن مسؤول غربي قوله إن “هناك افتراضاً واسع النطاق بوجود وجود عسكري أو أمني إسرائيلي في البلاد”. وحذر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، بعد الاعتراف، من أن أي أصول إسرائيلية في صوماليلاند ستكون أهدافاً عسكرية مشروعة.
لا يمكن النظر إلى العلاقة بين الفقر والإرهاب بوصفها علاقة سببية مباشرة فقط، بل هي علاقة مركبة تتداخل فيها عوامل متعددة مثل البطالة، وانعدام العدالة الاجتماعية، وضعف التعليم، وغياب الأمل في تحسين الأوضاع المعيشية. فالشباب الذين يعيشون في ظروف قاسية يصبحون أكثر عرضة للانخراط في الجماعات المتطرفة التي تقدم لهم إغراءات مادية أو وعودًا بالتمكين والانتماء. كما أن استمرار الفقر يضعف قدرة الدول على بسط سيطرتها الأمنية والتنموية، مما يتيح لهذه الجماعات مساحة للحركة والتجنيد. ومن ثم، فإن معالجة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب سياسات تنموية شاملة تستهدف جذور المشكلة.
قد تُسهم الهجمات الإيرانية، وأي رد عسكري خليجي، والتقارب العام بين الإمارات والسعودية، في تهدئة العديد من النزاعات المحلية في القرن الأفريقي. وقد تُقلل الحرب مع إيران من قدرة السعودية والإمارات، أو رغبتهما، في مواصلة تأجيج تنافسهما بالوكالة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد نقلت الإمارات مئات الشحنات من الأسلحة جواً إلى الدول المحيطة بالسودان لتزويد قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب الأهلية السودانية عام 2023، بينما أفادت التقارير أن السعودية كانت تتوسط في صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار في أوائل عام 2026 بين القوات المسلحة السودانية وباكستان، التي تنشغل حالياً أيضاً بنزاع مع أفغانستان. وتُعد الإمارات داعماً عسكرياً ومالياً رئيسياً لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي هدد مراراً بضم أجزاء من إريتريا المجاورة لتأمين منفذ بحري. وقد عززت السعودية علاقاتها مع إريتريا لمواجهة النفوذ الإماراتي المتزايد في البحر الأحمر عبر إثيوبيا، وردع المزيد من عدم الاستقرار الإقليمي. واستمرت شحنات الأسلحة الإماراتية إلى تشاد وإثيوبيا، والتي يُخصص معظمها لقوات الدعم السريع، حتى وقت كتابة هذا التقرير.
إن انشغال الولايات المتحدة والمنطقة بالحرب الإيرانية قد يمنح الجهات الأفريقية وشركاءها حرية أكبر في التصرف دون عواقب. وقد أحرزت الوساطة الأمريكية والضغوط الخاصة تقدماً نحو التوصل إلى وقف إطلاق النار في السودان خلال العام الماضي، كما مارست الولايات المتحدة وتركيا والسعودية ضغوطاً على رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لمنع أي عمل عسكري في شمال إثيوبيا أو إريتريا في الأسابيع الأخيرة. وستؤدي الحرب الجديدة، على الأقل مؤقتاً، إلى صرف الانتباه عن جهود السلام هذه وتهميشها. وسيؤدي انخفاض الضغط الخارجي إلى خلق فرص للجهات الأفريقية أو داعميها للتصرف دون رادع. وقد رفضت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً زيادة الضغط على الإمارات العربية المتحدة لخفض دعمها لقوات الدعم السريع بسبب مخاوف من أن ذلك قد يعرض التعاون الإماراتي الأمريكي في الشرق الأوسط للخطر، وهو أمر بالغ الأهمية الآن في الحرب الإيرانية.
يتضح أن الفقر ليس مجرد نتيجة للأزمات، بل قد يكون أيضًا سببًا في تعميقها من خلال تغذية دوائر العنف والتطرف. لذا، فإن مواجهة تمدد الجماعات الإرهابية تستلزم تبني مقاربة متكاملة تقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وتحسين جودة التعليم، إلى جانب الجهود الأمنية. فالتنمية الشاملة تظل السلاح الأكثر فاعلية في تجفيف منابع الإرهاب وبناء مجتمعات أكثر استقرارًا وأمنًا.
خامسًا: إعادة تشكيل خرائط النفوذ الدولي في الساحل الإفريقي
يشهد إقليم الساحل الإفريقي تحولات متسارعة في موازين القوى والنفوذ الدولي، مدفوعة بتشابك الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فمع تراجع أدوار تقليدية وصعود قوى جديدة، أصبحت المنطقة ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، حيث تتنافس أطراف دولية وإقليمية على ترسيخ حضورها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء في مجال مكافحة الإرهاب أو السيطرة على الموارد أو تأمين طرق التجارة.
لقد امتدت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة على إيران منذ 28 فبراير/شباط، والتي شنت خلالها واشنطن وتل أبيب عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية، وما تلاها من ضربات صاروخية من طهران عبر الخليج، إلى ما هو أبعد من غرب آسيا. فبالنسبة للدول الأفريقية، التي لا تزال تعاني من التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، تثير هذه الأزمة مخاوف من ارتفاعات متجددة في أسعار الطاقة، واضطرابات في سلاسل التوريد، وتقلبات مالية.
ومع ذلك، وبدلاً من ردود الفعل الأيديولوجية، عكست استجابات الحكومات الأفريقية المختلفة درجةً لافتةً من البراغماتية. ويؤكد موقفها الدبلوماسي على تنامي دور أفريقيا الفاعل، الذي لم يتأثر بالتحالفات الجامدة بقدر ما تأثر بالمصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية.
في البداية، وانطلاقاً من الدعم التاريخي لأفريقيا للقضية الفلسطينية وإرثها من التضامن المناهض للاستعمار، كان من المتوقع توجيه انتقادات حادة لإسرائيل وحلفائها. ولكن على عكس هذا الاعتقاد، امتنعت معظم الحكومات الأفريقية عن إدانة واشنطن أو تل أبيب بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، انتقدت معظمها علناً الضربات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج المجاورة. يُظهر هذا الإطار الانتقائي توازناً دقيقاً. تسعى الدول الأفريقية جاهدةً لتجنب إبعاد شركائها الاقتصاديين والأمنيين الرئيسيين مع الحفاظ على مرونة دبلوماسية.
في مختلف أنحاء المنطقة، وفي كينيا تحديدًا، سارعت الحكومات إلى إدانة إيران بشكل قاطع، متجاهلةً دور الولايات المتحدة وإسرائيل في إشعال فتيل المواجهة. وفي أرض الصومال المعلنة من جانب واحد، أدانت السلطات بشدة الضربات الإيرانية على دول الخليج، واصفةً إياها بـ “العدوان غير المبرر” على الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية والأردن. لم يكن هذا الموقف مفاجئًا، إذ يُمثل الاستثمار الإماراتي في ميناء بربرة وتوسيع التعاون الأمني ركيزة أساسية في النموذج الاقتصادي لأرض الصومال وسعيها الدؤوب لنيل الاعتراف الدولي.
وتتجاوز المخاطر الجيوسياسية منطقة الخليج، فقد أصبحت إسرائيل مؤخرًا أول دولة تعترف رسميًا بأرض الصومال كدولة ذات سيادة، وهو إنجاز غيّر المشهد الدبلوماسي في القرن الأفريقي بشكل جذري. في غضون ذلك، أبدت إدارة ترامب انفتاحها على دراسة خطوة مماثلة، حيث يعرض مسؤولون في هرجيسا علنًا على واشنطن الوصول الاستراتيجي إلى الميناء وحقوق إنشاء قواعد عسكرية محتملة مقابل الاعتراف.
تعكس هذه التحولات حالة من السيولة في النظام الإقليمي للساحل، إذ لم تعد الهيمنة حكرًا على قوى بعينها، بل باتت موزعة بين فاعلين متعددين يسعون لملء الفراغات التي خلفها انسحاب أو تراجع بعض القوى التقليدية. وفي هذا السياق، تلعب الانقلابات السياسية، وتنامي التهديدات الإرهابية، وضعف مؤسسات الدولة دورًا في إعادة توجيه تحالفات دول المنطقة. كما أن بعض الحكومات باتت تميل إلى تنويع شركائها الخارجيين بحثًا عن دعم أمني أو اقتصادي بشروط أقل صرامة. غير أن هذا التنافس الدولي، رغم ما قد يتيحه من فرص، يحمل في طياته مخاطر تعميق التبعية وإطالة أمد الصراعات، إذا لم يُدار بما يخدم أولويات التنمية والاستقرار المحلي.
تمثل إعادة تشكيل خرائط النفوذ الدولي في الساحل الإفريقي ظاهرة مركبة تعكس تحولات أوسع في النظام الدولي. وبينما تسعى القوى المختلفة إلى تعزيز حضورها، يبقى التحدي الأكبر أمام دول المنطقة هو كيفية توظيف هذا التنافس لصالحها، دون الانزلاق إلى صراعات بالوكالة أو فقدان استقلالية القرار. ومن ثم، فإن بناء مؤسسات قوية وتعزيز التعاون الإقليمي يظلان الركيزة الأساسية لضمان استقرار مستدام في هذا الإقليم الحيوي.
الخاتمة
في النهاية، تكشف هذه القراءة أن الحروب لم تعد تُقاس بحدودها الجغرافية، بل بمدى قدرتها على إعادة تشكيل خرائط الهشاشة في العالم. فما يحدث في طهران لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل يمتد ليُعيد إنتاج الأزمات في مناطق أبعد، وعلى رأسها الساحل الإفريقي، حيث تتقاطع ندرة الغذاء مع ارتفاع الطاقة، وتلتقي هشاشة الاقتصاد مع تصاعد التهديدات الأمنية.
إن أخطر ما تفرزه هذه الأزمات ليس فقط ارتفاع الأسعار أو تعطل الإمدادات، بل ذلك الأثر التراكمي الذي يدفع مجتمعات كاملة نحو حافة الانكشاف: جوعٌ يتسع، وفقرٌ يتجذر، ودولٌ تتآكل قدرتها على السيطرة، في مقابل جماعات متطرفة تجد في هذا الفراغ فرصة للتمدد. وهنا، لا يصبح الإرهاب ظاهرة منفصلة، بل نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة تغذيها الصراعات الدولية.
وبينما تنشغل القوى الكبرى بإدارة صراعاتها وحساباتها الاستراتيجية، يظل السؤال الأهم معلقًا: إلى متى ستظل إفريقيا تدفع ثمن أزمات لم تكن طرفًا فيها؟ إن استمرار هذا النمط من التفاعلات لا ينذر فقط بتفاقم الأوضاع الإنسانية، بل يهدد بإعادة تشكيل بؤر عدم الاستقرار عالميًا، انطلاقًا من مناطق الهشاشة.
وعليه، لم يعد المطلوب مجرد احتواء الأزمات، بل إعادة التفكير في بنية النظام الدولي نفسه، بما يضمن قدرًا أكبر من العدالة في توزيع الأعباء، ويمنح الدول الهشة أدوات حقيقية للصمود. فبدون ذلك، ستظل كل اهتزازة في مراكز الصراع الكبرى كفيلة بإشعال أزمات جديدة في أطراف العالم… حيث يكون الثمن دائمًا أفدح.



