أبحاث ودراساتأخبار الساحلإفريقيا والعالمالأمن والاستقرارالاتفاقيات الاقتصادية والعسكريةالتحالفات الإقليمية والدوليةالتدخلات الإقليمية والدوليةالجماعات المسلحة والتنظيمات الجهاديةمقال رأي

توازنات القوة ورهانات الاستقرار في النيجر بعد محاولة الانقلاب

يتناول هذا المقال أسباب إخفاق محاولة الانقلاب التي شهدتها النيجر ليلة 28–29 أغسطس 2026، وأدوار روسيا والجزائر في مساندة السلطات، وانعكاسات الأزمة على تحالف دول الساحل. ويبحث، على وجه الخصوص، دوافع الدعم الجزائري بحكم الجوار والمصالح المشتركة، وما تكشفه المواجهة عن تماسك المؤسسة العسكرية النيجرية وحدود اعتمادها على الشركاء الخارجيين.

حافظ إحباط المحاولة على السلطة في نيامي وعلى موقع النيجر داخل التحالف الذي يجمعها بمالي وبوركينا فاسو. غير أن بقاء القيادة لا يكفي للحكم على متانة الدولة. فالتمرد الذي ينطلق من داخل الجيش يفرض مراجعة أوضاع هذه المؤسسة، حتى عندما تنجح القوات الموالية في احتوائه. ومن هنا، فإن السؤال الأهم بعد انحسار المواجهة يتعلق بقدرة السلطات على معالجة أسبابها، لا بمجرد قدرتها على إعلان الانتصار فيها.

عوامل الإخفاق وحدود الاختراق

وفقًا لوكالة الأنباء النيجرية الرسمية، شارك عناصر من كتيبة الاستطلاع الخاصة التابعة لقيادة العمليات الخاصة في التمرد، وأعلنت السلطات لاحقًا استعادة أسلحة وذخائر ومركبات ومعدات اتصال. وتدل هذه الرواية الرسمية على أن التحرك امتلك وسائل قتالية فعلية؛ وهو ما يستدعي تجنب تصويره باعتباره اضطرابًا عابرًا لم يهدد الحكم.

وبحسب صحيفة «لوموند»، سيطر المتمردون على مجمع المطار فترةً من الوقت، لكنهم أخفقوا في الاستيلاء على الرئاسة والتلفزيون الرسمي. وتفسر هذه التفاصيل جانبًا من النتيجة: استطاع المتمردون بلوغ موقع حساس، بينما بقيت مراكز أساسية في يد السلطة، تتيح لها تنظيم الرد واستعادة المبادرة.

وفي مسألة المساندة الخارجية للمتمردين، نقلت وكالة «رويترز» اتهام الحكومة النيجرية فرنسا بالتحريض على التمرد وتدبيره، مقابل نفي باريس هذه الاتهامات. ولا تقدم هذه التغطية إثباتًا مستقلًا لمسؤولية فرنسا. لذلك ينبغي إبقاء الاتهام منسوبًا إلى الحكومة، دون اعتماده تفسيرًا نهائيًا للأحداث أو استبعاده دون فحص ما قد يُقدَّم بشأنه من أدلة.

وما يمكن استخلاصه هو أن المتمردين لم يمتلكوا، في ظروف المواجهة، القدرة الكافية لتحويل اختراقهم إلى سيطرة مستقرة على الحكم. أما القول إنهم كانوا بلا دعم داخلي أو خارجي، فلا تسمح به المعلومات المتاحة. فالفشل يوضح حدود القوة التي استُخدمت، لكنه لا يكشف وحده جميع العلاقات التي أحاطت بالمحاولة.

وفي تقديري، كانت قدرة السلطة على الاحتفاظ بمراكز القيادة والاستفادة من المساندة العسكرية عاملًا مهمًا في منع اتساع التمرد. لكن نجاح الرد لا يلغي الحاجة إلى معرفة كيف نشأ الانقسام داخل الجيش، وما إذا كانت دوافعه ما تزال قائمة.

المساندة الخارجية واختلاف الأدوار

كان للدور الروسي أثر مباشر في المواجهة، وفقًا لوكالة «أسوشيتد برس»، التي نقلت عن محللين ودبلوماسيين مشاركة عناصر «فيلق أفريقيا» في مساعدة القوات الموالية على إخماد التمرد. كما نقلت عن السفير الروسي أن النيجر طلبت هذه المساعدة. وبناءً على ذلك، تُعد المساندة الروسية جزءًا من تفسير بقاء السلطة، إلى جانب تحرك القوات النيجرية نفسها.

أما الجزائر، فقد أعلنت وزارة دفاعها إرسال أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30»، ترافقها طائرة للتزود بالوقود جوًا، استجابة لطلب القيادة النيجرية. وقدّم البيان المهمة باعتبارها دعمًا للجيش النيجري في مواجهة محاولة زعزعة استقرار البلاد. وفي تصريح لاحق نقلته الجزيرة نت، قال الرئيس عبد المجيد تبون إن إرسال المقاتلات استهدف إحباط محاولة انقلابية.

غير أن توقيت الوصول يظل مهمًا لتقدير الأثر العسكري. فوفقًا لصحيفة «لوموند»، وصلت الطائرات الجزائرية بعد هزيمة المتمردين ولم تشارك في القتال. وهنا يجب الفصل بين الغرض الذي أعلنته الجزائر وبين الدور الميداني الذي أمكن توثيقه. فإرسال الطائرات بطلب من نيامي ثابت في البيان الرسمي، أما نسبة حسم المواجهة إليها فلا تؤيدها هذه التغطية.

والأدق، إذن، وصف الخطوة الجزائرية بأنها مساندة عسكرية وسياسية للسلطات، مع ترك مسألة تأثيرها في حسابات الأطراف موضع تقدير. وهذا لا ينتقص من أهميتها، بل يضعها في إطار يمكن الدفاع عنه بالأدلة.

لماذا يهم استقرار النيجر الجزائر

تشترك الجزائر والنيجر في حدود برية صحراوية، ما يجعل ضعف السيطرة الأمنية في إحدى الدولتين مصدر ضغط محتمل على الأخرى. ولذلك فإن استقرار النيجر يرتبط بحسابات الأمن الجزائري، ولا يتوقف الاهتمام به على طبيعة العلاقة الشخصية بين القيادتين.

وتوضح ترتيبات التعاون بعض هذه الحسابات. فوفقًا لوزارة الداخلية الجزائرية، وقّع البلدان اتفاقًا أمنيًا في عام 2021، ضمن التعاون لمواجهة الجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة والسلع والهجرة غير النظامية. كما نقلت وكالة الأنباء الجزائرية تصريحات حكومية تربط التعاون الدفاعي والأمني مع النيجر بتأمين الحدود واستقرار المنطقة.

من هذا المنطلق، قد يؤدي ضعف مؤسسات الدولة النيجرية إلى تعقيد التنسيق الحدودي وزيادة الأعباء على الجزائر. ويمكن فهم مساندة نيامي باعتبارها محاولة للحفاظ على شريك قادر على التعاون، والحد من مخاطر امتداد الاضطراب. وهذه قراءة للمصلحة الجزائرية، وليست دليلًا على أن كل ما أعلنته الجزائر عن نتائج تدخلها قد تحقق.

وتدخل المصالح الاقتصادية ضمن هذا السياق أيضًا. فقد أشارت وكالة الأنباء الجزائرية إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر الأراضي النيجرية. وتحتاج مشروعات بهذا الحجم إلى استقرار يسمح بتنفيذ الالتزامات وحماية المنشآت. ومع ذلك، لا تكفي أهمية المشروع لإثبات أنه كان السبب المباشر لإرسال المقاتلات؛ فهو أحد عناصر العلاقة الأوسع بين البلدين.

وهكذا يجمع الموقف الجزائري بين الاستجابة لطلب رسمي وحماية أمن الجوار ومصالح التعاون الإقليمي. ويظل تقييمه بحاجة إلى التمييز بين مساعدة حكومة على تجاوز أزمة، والإسهام في بناء استقرار طويل الأمد.

موقع النيجر في تماسك تحالف الساحل

تقع النيجر في غرب أفريقيا ضمن منطقة الساحل، وتربطها جغرافيتها بالمجال الصحراوي والشمال الأفريقي ومحيطها الجنوبي. وبحكم كونها دولة حبيسة، تعتمد تجارتها على الممرات الإقليمية المؤدية إلى الأسواق والموانئ. وتؤكد دراسة للبنك الدولي عن بنيتها التحتية أهمية النقل العابر للحدود لاقتصادها.

لهذا، فإن اضطراب النيجر قد ينعكس على المبادلات والتنسيق الأمني مع جيرانها. وتضيف عضويتها في تحالف دول الساحل بُعدًا سياسيًا لهذه الأهمية. فقد نقلت وكالة الأنباء النيجرية بيانًا للتحالف يؤكد دعمه لمؤسسات البلاد وتمسكه بوحدة المجال الكونفدرالي وتماسكه.

لو أفرزت المحاولة قيادة تتراجع عن التزامات نيامي، لكان التعاون مع مالي وبوركينا فاسو معرضًا لاختبار صعب، وربما امتد الخلاف إلى المؤسسات المشتركة والشراكات الأمنية. لكن هذا الاحتمال يتوقف على خيارات القيادة البديلة؛ فتغيير رأس السلطة لا يعني بالضرورة تفكك التحالف.

ما حافظ عليه إحباط المحاولة هو استمرارية الترتيبات القائمة. أما رسوخها فيحتاج إلى مصالح تتجاوز توافق الحكومات، من خلال التجارة والبنية الأساسية والمؤسسات المشتركة. فالتحالف الذي يجد المواطن أثره في حياته أقدر على تجاوز الأزمات من تحالف يعتمد أساسًا على استمرار القيادات نفسها.

أسئلة الداخل التي تبقى بعد المواجهة

وفقًا لوكالة الأنباء النيجرية، دعت «القوى الحية للأمة» إلى تعبئة سلمية دعمًا للسلطات، وأدانت محاولة زعزعة الاستقرار. وتكشف هذه المواقف وجود قوى محلية مساندة للحكومة، لكنها لا تكفي لقياس اتجاهات المجتمع كله أو نفي وجود اعتراضات على أدائها.

في المقابل، نقلت «لوموند» عن شخصية معارضة لم تسمّها تقديرًا بأن التدخل الروسي منع المتمردين من الاحتفاظ بالمطار وتوسيع التأييد داخل الجيش. وهي شهادة سياسية مجهّلة تستلزم الحذر، لكنها تطرح سؤالًا عن مقدار ما وفرته المساندة الخارجية مقارنة بالتماسك الداخلي.

كما ربطت «أسوشيتد برس» التمرد باستياء عسكريين من استمرار انعدام الأمن وتصاعد هجمات الجماعات المسلحة. وهذا يفرض فحص أوضاع القوات وأسباب التذمر، بدل الاكتفاء بتفسير ينسب الأزمة بكاملها إلى الخارج. فحتى مع وجود تدخل أجنبي محتمل، تظل معالجة مواطن الضعف الداخلية مسؤولية وطنية.

ومن حق النيجر اختيار شركائها الأمنيين، لكن تقييم هذه الشراكات ينبغي أن ينطلق مما تضيفه إلى قدرتها الذاتية. فالتدريب والتجهيز وتحسين القيادة مكاسب يمكن قياسها، بينما يبقى الاعتماد المتكرر على الشريك عند الاضطرابات الداخلية مؤشرًا يستحق المراجعة.

خاتمة

حافظت السلطات النيجرية على الحكم بمساندة روسية مباشرة، وتلقت دعمًا جزائريًا أُعلن أنه جاء بطلب من نيامي. وقد حالت هذه النتيجة دون تغير فوري في التوازنات القائمة داخل تحالف الساحل، لكنها أبقت أسئلة تماسك الجيش وأداء السلطة وحدود الاعتماد على الخارج مفتوحة.

تبدأ مهمة ما بعد الأزمة بمعالجة أسباب الاستياء، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والحفاظ على مساحة للنقد والمعارضة السلمية. ويحتاج التعاون الإقليمي بدوره إلى مصالح مشتركة تستطيع الصمود أمام الخلافات وتبدل القيادات.

والمعيار الأهم هو ما إذا كانت النيجر ستتمكن من تحويل المساندة التي تلقتها إلى قدرة وطنية أكثر استدامة. فعندما يقترن استقلال القرار بأمن المواطنين ومؤسسات تستجيب لمطالبهم، يصبح إحباط المحاولة خطوة في بناء الاستقرار، لا مجرد توقف مؤقت للمواجهة.

خالد أحمد قجة

A student in the Department of Economics at Yıldız Technical University, Turkey, with a particular interest in economic and political issues in the African Sahel region.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى