إفريقيا والعالمإدارة الموارد الطبيعية والطاقةالاتفاقيات الاقتصادية والعسكريةالاستثمارات والبنى التحتيةالاقتصاد والتنميةتقدير موقف

محددات النمو الاقتصادي والتحول الرقمي في أفريقيا

دراسة تحليلية نقدية في ضوء تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026

ملخص:

يكشف تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 عن صورة مركبة للاقتصاد الأفريقي، تجمع بين تحسن المؤشرات الكلية واستمرار الاختلالات الهيكلية التي تحد من تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة. ويؤكد التقرير أن القارة تسير في مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي، مدعومًا بارتفاع الاستثمار العام، وتحسن الطلب المحلي، وتراجع معدلات التضخم في عدد من الدول، إلى جانب التوسع في الاستثمار في البنية التحتية والتحول الرقمي. غير أن هذا التحسن لا يتوزع بصورة متساوية بين الدول والأقاليم، إذ لا تزال معدلات النمو تعكس تفاوتًا واضحًا في الهياكل الاقتصادية، وكفاءة المؤسسات، ومستويات الاستقرار السياسي.

تبرز شرق أفريقيا بوصفها الإقليم الأعلى نموًا في القارة، حيث يُتوقع أن يرتفع معدل النمو من 5.4% عام 2025 إلى 5.8% عام 2026، مستفيدًا من قوة الطلب المحلي، والاستثمار في البنية التحتية، وتنوع الأنشطة الإنتاجية. ويليها غرب أفريقيا بمعدل يقارب 4.5%، مدفوعًا بالإصلاحات الاقتصادية وتوسع قطاعي الطاقة والخدمات، بينما تحافظ شمال أفريقيا على معدل نمو يبلغ نحو 4.4% بفضل تنوع مصادر النشاط الاقتصادي بين الطاقة والزراعة والسياحة والخدمات. وفي المقابل، يظل أداء وسط أفريقيا والجنوب الأفريقي أكثر تواضعًا نتيجة استمرار القيود الهيكلية، وضعف الإنتاجية، وتأثير الأزمات السياسية والبيئية.
كما يوضح التقرير أثر تقلبات أسواق الطاقة في رسم ملامح النمو الاقتصادي، إذ استفادت الدول المستوردة للنفط من انخفاض أسعار الخام من 79 دولارًا للبرميل في يناير 2025 إلى نحو 64 دولارًا في نوفمبر من العام نفسه، في حين واجهت الدول المصدرة للنفط ضغوطًا مالية نتيجة اعتماد بعضها على النفط بما يزيد على 80% من إجمالي صادراتها، الأمر الذي يعكس استمرار هشاشة الاقتصادات الريعية أمام الصدمات الخارجية.

في سياق آخر، يؤكد التقرير أن التحول الرقمي أصبح أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي في أفريقيا، حيث بلغت مساهمة قطاع الخدمات 48.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 26.2% للصناعة و17.9% للزراعة. ويرى التقرير أن دمج التكنولوجيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة، يمكن أن يرفع الإنتاجية ويعزز الشمول المالي ويزيد القدرة التنافسية للاقتصادات الأفريقية.

تدعم التجارب الوطنية هذه الرؤية؛ ففي موريشيوس أصبح قطاع تعهيد العمليات التجارية يسهم بنحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يُتوقع أن ترتفع مساهمة قطاع التكنولوجيا في جنوب أفريقيا إلى ما بين 15% و20% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي غانا ارتفعت مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من 4.4 مليار سيدي غاني عام 2016 إلى 21 مليار سيدي غاني عام 2022، كما أسهمت الخدمات المالية الرقمية في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تراوحت بين 8% و10%، ورفعت متوسط نصيب الفرد من الدخل بنحو 530 دولارًا أمريكيًا.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التقرير يكشف عن استمرار تحديات هيكلية تحد من قدرة التكنولوجيا على إحداث تحول اقتصادي شامل، من أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص المهارات، واتساع الفجوة الرقمية بين الدول والأقاليم، ومحدودية التمويل، والحاجة إلى تطوير الحوكمة الرقمية والأطر التشريعية. كما يلاحظ أن ارتفاع معدلات النمو لا ينعكس دائمًا على تحسن مؤشرات التنمية البشرية، وهو ما يتضح في استمرار ارتفاع معدل الفقر في غينيا إلى نحو 52% رغم تحقيقها معدلات نمو مرتفعة.

من منظور تحليلي نقدي، يبين التقرير أن مستقبل الاقتصاد الأفريقي لا يرتبط بارتفاع معدلات النمو وحدها، وإنما بقدرة الدول على تحويل هذا النمو إلى تنمية هيكلية قائمة على التنويع الاقتصادي، وتعزيز الابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير المؤسسات، بما يحد من الاعتماد على صادرات المواد الأولية، ويزيد من قدرة الاقتصادات الأفريقية على مواجهة الصدمات الخارجية. ومن ثم، فإن التحول الرقمي يمثل فرصة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الأفريقي، إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بتكامل الإصلاح المؤسسي، والاستثمار في المعرفة، وتحقيق العدالة في توزيع ثمار النمو، بما يضمن انتقال القارة من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد قائم على الابتكار والإنتاجية والتنمية المستدامة.

مقدمة عامة:

يمثل النمو الاقتصادي أحد المؤشرات الأساسية لقياس قدرة الاقتصادات الوطنية على تحقيق التنمية وتحسين مستويات الرفاه، غير أن الاقتصادات المعاصرة لم تعد تُقاس بمعدلات النمو الكلي وحدها، بل بمدى قدرتها على إحداث تحول هيكلي يعزز الإنتاجية، ويرفع كفاءة تخصيص الموارد، ويؤسس لاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتقلبات الدولية.
لقد أصبحت القارة الأفريقية خلال العقدين الأخيرين محورًا متزايد الأهمية في النقاشات الاقتصادية الدولية، ليس فقط لما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة وأسواق استهلاكية متنامية، وإنما أيضًا لما تشهده من تغيرات هيكلية في أنماط الإنتاج والاستثمار والتكامل الاقتصادي. فقد انتقلت الاقتصادات الأفريقية تدريجيًا من التركيز على استغلال الموارد الأولية إلى تبني رؤى تنموية أكثر اتساعًا تستهدف تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز التصنيع، وتطوير البنية التحتية، والاستفادة من التقدم التكنولوجي في إعادة بناء القطاعات الاقتصادية المختلفة. ومع ذلك، لا تزال هذه الاقتصادات تواجه مجموعة معقدة من التحديات المرتبطة بضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والتفاوت التنموي بين الأقاليم، فضلًا عن تأثيرات التقلبات الاقتصادية العالمية، والتغيرات المناخية، والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يجعل دراسة محددات النمو الاقتصادي في أفريقيا قضية ذات أهمية علمية وعملية متزايدة.

وفي هذا السياق، يكتسب تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا لعام 2026 (Economic Report on Africa 2026) أهمية خاصة؛ إذ لا يقتصر على عرض مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي، بل يقدم رؤية تحليلية تربط بين الأداء الاقتصادي، والإصلاحات المؤسسية، والاستثمار في البنية التحتية، والتحول الرقمي، والتكنولوجيات المتقدمة، بوصفها عوامل متداخلة تسهم في صياغة مستقبل الاقتصاد الأفريقي. كما يعرض التقرير مقارنة دقيقة بين الأقاليم الفرعية للقارة، ويوضح التفاوت في معدلات النمو، واختلاف محركاته، والعوامل التي تعزز قدرة بعض الدول على تحقيق معدلات نمو مرتفعة مقارنة بغيرها.
يكشف التقرير أن النمو الاقتصادي في أفريقيا لم يعد مرتبطًا بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على كفاءة المؤسسات، وجودة السياسات الاقتصادية، والاستثمار في رأس المال البشري، وتبني التكنولوجيا والابتكار. فقد أصبحت التكنولوجيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وتحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics)، والحوسبة السحابية (Cloud Computing)، والتكنولوجيا المالية (Financial Technology – FinTech)، من الأدوات الرئيسة التي تعيد تشكيل قطاعات الخدمات والصناعة والزراعة، وتسهم في رفع الإنتاجية، وتعزيز الشمول المالي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسين كفاءة الخدمات العامة. ومن ثم، لم تعد التكنولوجيا مجرد عنصر داعم للنمو، بل غدت مكونًا بنيويًا في عملية التحول الاقتصادي.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات وتحديات. فالفجوة الرقمية بين الدول، وضعف البنية التحتية التكنولوجية، ونقص المهارات الرقمية، ومحدودية التمويل، واستمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام، تمثل جميعها عوائق تحد من قدرة الاقتصادات الأفريقية على تحقيق الاستفادة الكاملة من الثورة الرقمية. كما أن ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحقق التنمية الشاملة، إذ قد تتعايش المؤشرات الاقتصادية الإيجابية مع استمرار الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع التفاوتات الاجتماعية والإقليمية، الأمر الذي يفرض ضرورة التمييز بين النمو الاقتصادي (Economic Growth) بوصفه زيادة في الناتج، والتنمية الاقتصادية (Economic Development) بوصفها عملية هيكلية تستهدف تحسين جودة الحياة ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي.

انطلاقًا من ذلك، تتبنى هذه الدراسة قراءة تحليلية نقدية للفصل الأول من تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026، بهدف تجاوز العرض الوصفي للمؤشرات الاقتصادية إلى تحليل المحددات التي تقف وراء الأداء الاقتصادي في القارة، وبيان طبيعة العلاقة بين التحول الرقمي والنمو الاقتصادي، وتقويم مدى قدرة التكنولوجيات المتقدمة على إحداث تحول هيكلي في الاقتصادات الأفريقية. كما تسعى الدراسة إلى تفسير التفاوتات بين الأقاليم الفرعية، وتحليل التجارب الوطنية التي أبرزها التقرير، ولا سيما في مجالات الحكومة الرقمية، والتكنولوجيا المالية، والتحول الرقمي للخدمات، مع الوقوف على التحديات المؤسسية والتشريعية والتمويلية التي ما تزال تحد من توظيف التكنولوجيا بوصفها أداة لتحقيق التنمية المستدامة.

تنبع أهمية هذه الدراسة من أنها لا تتعامل مع التقرير بوصفه مصدرًا للبيانات والمؤشرات فحسب، وإنما بوصفه وثيقة تحليلية تعكس توجهات الأمم المتحدة في فهم مسارات التنمية الاقتصادية في أفريقيا خلال المرحلة الراهنة. ومن ثم، فإن الدراسة تسعى إلى تقديم قراءة نقدية تستند إلى تحليل المؤشرات الكمية، وربطها بالأبعاد المؤسسية والتكنولوجية والتنموية، بما يتيح فهمًا أكثر عمقًا للعوامل التي تحدد مستقبل الاقتصاد الأفريقي، وإمكانات انتقاله من نموذج اقتصادي يعتمد بصورة رئيسة على الموارد الطبيعية إلى نموذج إنتاجي قائم على المعرفة والابتكار والاقتصاد الرقمي، قادر على تحقيق نمو أكثر استدامة وشمولًا وقدرة على مواجهة المتغيرات الاقتصادية العالمية.

تكشف القراءة التحليلية المعمقة للجزء الأول من تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 أن الاقتصاد الأفريقي يواصل إظهار قدر من المرونة في مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية، مستفيدًا من تحسن الاستقرار الاقتصادي الكلي، وزيادة الاستثمارات العامة، والتوسع في مشروعات البنية التحتية، إلى جانب تنامي دور التكنولوجيا والابتكار في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية للقارة. إلا أن التقرير يوضح في الوقت نفسه أن مسار النمو لا يزال يتسم بتفاوتات إقليمية وهيكلية واضحة، نتيجة اختلاف مستويات التنمية، وتباين القدرات المؤسسية، واستمرار تأثير العوامل الجيوسياسية والمناخية في الأداء الاقتصادي للدول الأفريقية.

تنقسم الدراسة للمحاور التالية:

1) الأداء الأقتصادي الحديث في أفريقيا جنوب الصحراء

  • أولًا: تحسن أداء النمو الاقتصادي خلال عامي 2026–2027 بدعم من الاستثمار العام.
  • ثانيًا: تباين أداء الدول المستوردة والمصدرة للنفط في أفريقيا.
  • ثالثًا: شرق أفريقيا تقود النمو الاقتصادي على مستوى الأقاليم الفرعية.
  • رابعًا: غرب أفريقيا: نمو اقتصادي مدفوع بالإصلاحات والاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
  • خامسًا: معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أفريقيا حسب الأقاليم الفرعية (2024–2026).
  • سادسًا: أداء وسط أفريقيا وجنوب الأفريقي.

2) التحول الرقمي والتكنولوجيا بوصفهما محركًا للنمو الاقتصادي الأفريقي

  • أولًا: استمرار هيمنة قطاع الخدمات على الناتج المحلي الإجمالي مع الدور المتزايد للتكنولوجيا والابتكار.
  • ثانيًا: التكنولوجيات المتقدمة والابتكار محرك لتعزيز النمو الاقتصادي في أفريقيا: التجارب الأفريقية الرائدة.
  • تجربة موريشيوس في الحكومة الإلكترونية وقطاع تعهيد العمليات التجارية
  • تجربة جنوب أفريقيا في تنمية قطاع تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا المالية (FinTech).
  • تجربة كينيا في الابتكار المالي ونظام M-Pesa.
  • تجربة غانا في نمو قطاع الاتصالات والخدمات المالية الرقمية.

3) التكنولوجيا المتقدمة ودورها في تطوير القطاعات الإنتاجية في أفريقيا: نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية

  • أولًا: التكنولوجيا والتحول في قطاع الخدمات
  • ثانيًا: التكنولوجيا وتطوير القطاع الصناعي
  • ثالثًا: التكنولوجيا والقطاع الزراعي
  • رابعًا: التكنولوجيا وتعزيز الشمول المالي
  • خامسًا: التكنولوجيا وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر

4) تحديات التحول الرقمي وآفاق التنمية الاقتصادية المستدامة في أفريقيا:

  • أولًا: محدودية انتشار التكنولوجيات المتقدمة
  • ثانيًا: قصور البنية التحتية الرقمية
  • ثالثًا: نقص المهارات ورأس المال البشري
  • رابعًا: التفاوت الرقمي بين الدول والأقاليم
  • خامسًا: تحديات التمويل والاستثمار
  • سادسًا: الحوكمة الرقمية والإطار التشريعي

5) خاتمة

6) التوصيات

7) أهم المؤشرات الدالة على أثر التحول الرقمي في الاقتصادات الإفريقية

1) الأداء الأقتصادي الحديث في أفريقيا جنوب الصحراء

أولًا: تحسن أداء النمو الاقتصادي خلال عامي (2026–2027) بدعم من الاستثمار العام
شهد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أفريقيا تعافيًا ليبلغ نحو 4.0% خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يستقر عند المستوى نفسه خلال عام 2026، قبل أن يرتفع إلى 4.1% في عام 2027. ويُعد هذا المعدل أعلى من معدل النمو المتوقع في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، البالغ 2.3%، إلا أنه يظل أقل من معدلات النمو المسجلة في شرق وجنوب آسيا (4.6%) وغرب آسيا (4.1%).يعزو التقرير هذا التحسن إلى تحسن الاستقرار الاقتصادي الكلي، ولا سيما في الاقتصادات الأفريقية الكبرى، إلى جانب زيادة الاستثمارات العامة وتعافي الإنفاق الاستهلاكي. ومع ذلك، لا تزال الاقتصادات الأفريقية تواجه تحديات خارجية وداخلية، من أبرزها التوترات الجيوسياسية، والاضطرابات السياسية التي أعقبت الانتخابات في بعض الدول.يشير التقرير إلى أن بعض الحكومات الأفريقية اتجهت إلى تطبيق سياسات لضبط أوضاع المالية العامة، من خلال ترشيد الإنفاق وإعطاء الأولوية للاستثمارات الرأسمالية طويلة الأجل، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي المستدام.ويستشهد التقرير بعدد من المشروعات الإستراتيجية التي أسهمت في دعم النشاط الاقتصادي، مثل مشروع القطار فائق السرعة في مصر، ومدينة كونزا التكنولوجية (Konza Technopolis) في كينيا، ومنطقة لاجوس للتجارة الحرة (Lagos Free Trade Zone) في نيجيريا، موضحًا أن هذه المشروعات لم تقتصر آثارها على تحسين الترابط الاقتصادي، بل ساعدت أيضًا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز ثقة المستثمرين.

تكشف هذه المؤشرات أن التقرير يتبنى منظورًا يربط بين النمو الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية بوصفه محركًا رئيسًا لزيادة الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية. كما يبرز أن الاستثمارات العامة لا تؤدي دورًا ماليًا فحسب، بل تسهم في تهيئة بيئة اقتصادية جاذبة لرأس المال الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي. ومن ثم، فإن النمو المتوقع لا يُفسَّر بارتفاع الطلب الكلي فقط، وإنما يعكس توجهًا نحو الاستثمار في الأصول الإنتاجية القادرة على تحقيق عوائد اقتصادية طويلة الأجل.

كما يظهر من المقارنة الإقليمية أن أفريقيا بدأت تضيق الفجوة مع بعض الأقاليم النامية، إلا أنها لا تزال أقل أداءً من اقتصادات شرق وجنوب آسيا، الأمر الذي يشير إلى استمرار الحاجة إلى تعزيز الابتكار، وتحسين الإنتاجية، وتطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية.

وعلى الرغم من أن التقرير يقدم رؤية متفائلة بشأن تحسن النمو الاقتصادي، فإنه يركز بدرجة كبيرة على المؤشرات الكلية، دون أن يناقش بصورة كافية مدى انعكاس هذا النمو على تحسين مستويات المعيشة أو الحد من الفقر وعدم المساواة داخل الدول الأفريقية. كما أن الاعتماد على الاستثمارات العامة وحدها قد لا يكون كافيًا لتحقيق تحول اقتصادي مستدام إذا لم يقترن بإصلاحات مؤسسية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة.

يلاحظ أيضًا أن التقرير يعرض نماذج ناجحة لمشروعات البنية التحتية، لكنه لا يتناول بصورة تفصيلية المخاطر المحتملة المرتبطة بتمويل هذه المشروعات، مثل ارتفاع المديونية، أو تفاوت العوائد الاقتصادية بين الدول، أو قدرة الاقتصادات الأفريقية على صيانة هذه المشروعات واستدامتها. كذلك، فإن استمرار تأثير التوترات الجيوسياسية والاضطرابات السياسية قد يحد من قدرة بعض الدول على الاستفادة الكاملة من الزخم الاستثماري المتوقع.

يمكن استخلاص أن النمو الاقتصادي المتوقع في أفريقيا خلال عامي 2026–2027 يعكس تحسنًا نسبيًا في البيئة الاقتصادية، مدعومًا بالاستثمار العام والاستقرار الاقتصادي الكلي. إلا أن استدامة هذا النمو تظل رهينة بقدرة الدول الأفريقية على تحويل الاستثمارات الرأسمالية إلى مكاسب إنتاجية حقيقية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، ورفع كفاءة المؤسسات، وتوسيع الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار ورأس المال البشري. ومن ثم، فإن تحقيق تحول اقتصادي شامل لا يتوقف على ارتفاع معدلات النمو فحسب، بل يتطلب بناء نموذج تنموي قادر على مواجهة الصدمات الخارجية وتحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة.

ثانيًا: تباين أداء الدول المستوردة والمصدرة للنفط في أفريقيا
على الرغم من تعافي معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا خلال عام 2025، فإن أداء الدول المستوردة للنفط والدول المصدرة له اتخذ مسارين مختلفين. فقد استفادت الاقتصادات المستوردة للنفط من الانخفاض الملحوظ في أسعار النفط الخام، إذ تراجع سعر البرميل من 79 دولارًا أمريكيًا في يناير 2025 إلى نحو 64 دولارًا في نوفمبر من العام نفسه. ويرجع هذا الانخفاض إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها حالة عدم اليقين التي صاحبت السياسات التجارية الأمريكية، وضعف الطلب العالمي مقارنة بالتوقعات، ولا سيما في اقتصادات كبرى مثل البرازيل والصين والهند.

في المقابل، يتوقع التقرير أن يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى نتائج سلبية بالنسبة لأكبر الدول الأفريقية المصدرة للنفط، وخاصة الجزائر وأنغولا ونيجيريا، نظرًا لاعتماد اقتصاداتها بدرجة كبيرة على العائدات النفطية. ففي معظم هذه الدول تمثل الصادرات النفطية أكثر من 80% من إجمالي الصادرات، الأمر الذي يجعلها أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية.

كما يشير التقرير إلى أن توقعات ارتفاع الطلب العالمي على النفط، بالتزامن مع الزيادة المتوقعة في الإنتاج من جانب تحالف أوبك+ (OPEC+)، قد تؤدي إلى استمرار الضغوط النزولية على الأسعار نتيجة زيادة المعروض العالمي، وهو ما يسهم في تحسين آفاق السيطرة على التضخم، خاصًة في الدول المستوردة للنفط.

وفي ضوء هذه التطورات، يتوقع التقرير تراجع معدل النمو الاقتصادي في الدول المصدرة للنفط من نحو 4.0% خلال عام 2025 إلى 3.7% في عام 2026، نتيجة استمرار انخفاض أسعار النفط واحتمال حدوث فائض في الأسواق العالمية. ويضيف أن الأوضاع السياسية الهشة في ليبيا وجنوب السودان والسودان تمثل عاملًا إضافيًا يزيد من حالة عدم اليقين ويؤثر سلبًا في الأداء الاقتصادي لهذه الدول.

يعكس هذا الجزء من التقرير الطبيعة المزدوجة لاقتصادات القارة الأفريقية، إذ لا تؤدي المتغيرات الاقتصادية العالمية إلى النتائج نفسها في جميع الدول، وإنما تختلف آثارها باختلاف الهيكل الاقتصادي ومصادر الدخل القومي.

فالانخفاض في أسعار النفط، الذي يُعد خبرًا إيجابيًا بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، يتحول في الوقت ذاته إلى مصدر ضغط مالي واقتصادي على الدول التي تعتمد موازناتها العامة بصورة رئيسة على الإيرادات النفطية.

وتشير هذه النتائج إلى أن اعتماد عدد من الاقتصادات الأفريقية على تصدير سلعة أولية واحدة يجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية، وهو ما يبرز استمرار ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ هشاشة الاقتصادات الريعية (Rentier Economy)، حيث ترتبط معدلات النمو ومستويات الإنفاق العام والتوازنات المالية بتقلبات أسعار السلع الأولية أكثر من ارتباطها بالإنتاج الحقيقي أو التنوع الاقتصادي.

من ناحية أخرى، يبرز التقرير أهمية أسعار الطاقة بوصفها متغيرًا مؤثرًا في معدلات التضخم. فالدول المستوردة للنفط تستفيد من انخفاض تكاليف الاستيراد، مما يخفف من الضغوط التضخمية، ويخفض تكاليف النقل والإنتاج، ويمنح الحكومات مساحة مالية أكبر لتوجيه الموارد نحو الاستثمار في البنية التحتية أو الخدمات الاجتماعية. أما الدول المصدرة للنفط، فإن انخفاض الإيرادات قد يدفعها إلى تقليص الإنفاق العام أو زيادة الاقتراض، بما ينعكس سلبًا على النمو والاستثمار.

كما يوضح التقرير أن العوامل الجيوسياسية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تفسير الأداء الاقتصادي في أفريقيا. فالتوترات السياسية الداخلية في بعض الدول المنتجة للنفط، إلى جانب الاضطرابات في الأسواق العالمية، تؤكد أن النمو الاقتصادي لم يعد نتاجًا للمتغيرات الاقتصادية وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بدرجة الاستقرار السياسي، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الحكومات على إدارة الأزمات.

تكشف الإشارة إلى سياسات أوبك+ عن مدى اندماج الاقتصادات الأفريقية في سوق الطاقة العالمية، حيث لم تعد أسعار النفط تُحدد فقط وفقًا لمستويات العرض والطلب المحلية، وإنما أصبحت تتأثر بقرارات الإنتاج الدولية، والتنافس الجيوسياسي، وتوقعات المستثمرين، واتجاهات الاقتصاد العالمي.

على الرغم من أن التقرير يقدم تفسيرًا منطقيًا لتباين أداء الدول المستوردة والمصدرة للنفط، فإنه يركز بصورة أساسية على أثر أسعار النفط، دون أن يمنح الاهتمام الكافي للعوامل الهيكلية الداخلية التي تحدد قدرة الدول على امتصاص الصدمات الاقتصادية. فهناك دول نفطية نجحت في الحد من تأثير تقلبات الأسعار عبر تنويع مصادر الدخل وإنشاء صناديق سيادية واستثمارات إنتاجية، في حين بقيت دول أخرى رهينة للتقلبات الدورية بسبب ضعف التنويع الاقتصادي.

كما أنه يفترض ضمنيًا أن انخفاض أسعار النفط يؤدي تلقائيًا إلى تحسن أوضاع الدول المستوردة، إلا أن هذا الأثر يظل مشروطًا بقدرة الحكومات على استثمار الوفورات المالية في قطاعات إنتاجية، وعدم توجيهها إلى الإنفاق الاستهلاكي قصير الأجل. ومن ثم، فإن انخفاض الأسعار يمثل فرصة تنموية محتملة، لكنه لا يضمن تحقيق التنمية ما لم يصاحبه إصلاح اقتصادي ومؤسسي.

ومن زاوية أخرى، لا يناقش التقرير بصورة معمقة تأثير التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة في مستقبل الاقتصادات الأفريقية المعتمدة على النفط. فاستمرار الاعتماد على العائدات النفطية في ظل التوجه الدولي نحو خفض الانبعاثات الكربونية قد يفرض تحديات هيكلية طويلة الأجل تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار الدورية، وتستلزم إعادة صياغة الاستراتيجيات الاقتصادية للدول المنتجة للطاقة.

يؤكد هذا الجزء من التقرير أن تقلبات أسواق النفط العالمية لا تؤثر في جميع الاقتصادات الأفريقية بالقدر نفسه، وإنما تتحدد آثارها وفق طبيعة الهيكل الإنتاجي ومدى تنوع مصادر الدخل. كما يبرز أن الاعتماد المفرط على الصادرات النفطية يزيد من هشاشة الاقتصادات أمام الصدمات الخارجية، في حين يوفر التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية قدرة أكبر على تحقيق الاستقرار والاستدامة. ومن ثم، فإن التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، قائم على الابتكار والصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة، يمثل أحد الشروط الأساسية لتعزيز مرونة الاقتصادات الأفريقية وتقليل حساسيتها لتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

ثالثًا: شرق أفريقيا تقود النمو الاقتصادي على مستوى الأقاليم الفرعية.
تباينت معدلات النمو الاقتصادي بين الأقاليم الفرعية في أفريقيا خلال عام 2025، حيث حافظت شرق أفريقيا على مكانتها باعتبارها الإقليم الأسرع نموًا، إذ يُقدَّر معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 5.4% في عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 5.8% خلال عام 2026. ويعزى هذا الأداء إلى النمو القوي في كل من جيبوتي وإثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، مدعومًا باستمرار قوة الطلب المحلي، وزيادة الاستثمارات في مشروعات البنية التحتية، وتحقيق أداء قوي في قطاعي الزراعة والتعدين. ومع ذلك، لا تزال الصراعات والنزاعات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومدغشقر، وجنوب السودان تمثل أبرز التحديات التي تواجه الإقليم وتحد من استدامة نموه.

تكشف هذه الفقرة عن أن النمو الاقتصادي داخل أفريقيا لا يتسم بالتجانس، وإنما يتوزع بصورة غير متوازنة بين الأقاليم المختلفة، وهو ما يعكس اختلاف الهياكل الاقتصادية ومستويات الاستقرار السياسي وفاعلية السياسات التنموية. ويبرز التقرير شرق أفريقيا بوصفها مركز الثقل الاقتصادي الجديد في القارة، نتيجة اعتماد عدد من دولها على الاستثمار في البنية التحتية، وتنويع الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز الطلب المحلي، بدلاً من الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام.

كما يوضح التقرير أن النمو في شرق أفريقيا يستند إلى قاعدة إنتاجية متعددة، تشمل الزراعة والتعدين والخدمات، وهو ما يمنح اقتصادات الإقليم قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة التقلبات الاقتصادية الخارجية مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد على قطاع واحد أو سلعة أولية واحدة.

ومن زاوية أخرى، يبرز التقرير العلاقة الوثيقة بين الاستثمار في البنية التحتية والنمو الاقتصادي، حيث يؤدي تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات إلى تحسين بيئة الأعمال، وخفض تكاليف الإنتاج، وزيادة القدرة التنافسية، وجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.

تشير النتائج إلى أن الأداء الاقتصادي المتميز لشرق أفريقيا لا يرتبط بعامل منفرد، بل يعكس تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمؤسسية. فالطلب المحلي القوي يوفر سوقًا داخلية داعمة للإنتاج، بينما تسهم الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية في إزالة القيود التي تعوق النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، يتيح تنوع القطاعات الإنتاجية توزيع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على قطاع واحد، الأمر الذي يزيد من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.

وفي المقابل، تؤكد الإشارة إلى النزاعات المسلحة أن النمو الاقتصادي لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والأمنية، إذ تؤدي الصراعات إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وإضعاف ثقة المستثمرين، واستنزاف الموارد العامة، بما يحد من فرص تحقيق نمو مستدام حتى في الاقتصادات التي تمتلك مقومات إنتاجية قوية.

على الرغم من أن التقرير يقدم شرق أفريقيا نموذجًا ناجحًا للنمو الاقتصادي، فإنه يركز بصورة رئيسة على المؤشرات الكلية، دون أن يناقش بدرجة كافية مدى انعكاس هذا النمو على تحسين مستويات المعيشة أو الحد من الفقر وعدم المساواة. فارتفاع معدل النمو لا يعني بالضرورة تحقيق تنمية شاملة إذا ظل العائد الاقتصادي متركزًا في قطاعات أو مناطق معينة دون غيرها.

كما لا يقدم التقرير تحليلًا كافيًا للفروق بين دول الإقليم نفسها، إذ تختلف القدرات الاقتصادية والمؤسسية بين إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وجيبوتي بصورة ملحوظة، وهو ما يجعل تفسير النمو على مستوى الإقليم ككل أقل دقة إذا لم تُراعَ هذه الاختلافات. ويلاحظ أيضًا أن التقرير يربط النمو بزيادة الاستثمار في البنية التحتية، لكنه لا يناقش بصورة موسعة مدى استدامة تمويل هذه المشروعات، ولا أثر ارتفاع المديونية العامة في بعض الدول على استمرار هذا النمو في الأجل الطويل.

يمكن استخلاص أن شرق أفريقيا تمثل في الوقت الراهن المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي داخل القارة، بفضل نجاحها النسبي في الجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، وتنويع الأنشطة الإنتاجية، وتعزيز الطلب المحلي. غير أن استمرار هذا الأداء يظل مشروطًا بقدرة دول الإقليم على احتواء النزاعات المسلحة، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية شاملة تنعكس على تحسين مستويات الدخل وفرص العمل وجودة الحياة، بما يضمن استدامة المكاسب الاقتصادية وعدم اقتصارها على المؤشرات الكلية وحدها.

 رابعًا: غرب أفريقيا: نمو اقتصادي مدفوع بالإصلاحات والاستثمار في القطاعات الإنتاجية
يتوقع التقرير أن يحقق إقليم غرب أفريقيا متوسط معدل نمو يبلغ 4.5% خلال الفترة 2025–2026، مع تصدر السنغال دول الإقليم بمعدل نمو متوسط يصل إلى 7.5%، تليها النيجر بنسبة 7.1%، ثم غينيا بنسبة 6.6%. ويُعزى الأداء الاقتصادي المتميز للسنغال إلى النمو المتواصل في قطاع الهيدروكربونات، إلى جانب توافر بيئة اقتصادية مواتية، من بينها انخفاض معدلات التضخم، فضلًا عن تنفيذ الحكومة برنامجًا للإصلاح والتحول الاقتصادي. ويرتكز هذا البرنامج على تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، ودعم التحول الرقمي، وتحسين كفاءة الإدارة الحكومية والخدمات العامة، وتقليص الفجوة الرقمية، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.

يعتمد النمو في غينيا على النشاط المتزايد في قطاعي التعدين والزراعة، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا النمو لم يكن شاملًا، إذ لا يزال معدل الفقر الوطني يبلغ 52% من السكان. كما يتوقع التقرير أن يسجل اقتصاد نيجيريا، أكبر اقتصاد في الإقليم، معدل نمو يبلغ 3.8% خلال عام 2026، مدفوعًا بزيادة إنتاج النفط وقوة قطاع الخدمات، فضلًا عن المكاسب المتحققة من الإصلاحات الاقتصادية الداخلية. وعلى الرغم من إعادة احتساب الناتج المحلي الإجمالي وفق سنة الأساس 2019، فإن قطاع الخدمات لا يزال يمثل القطاع الأكبر والأكثر مساهمة في الاقتصاد النيجيري.

تكشف هذه المؤشرات أن غرب أفريقيا يمثل نموذجًا اقتصاديًا متنوعًا يجمع بين الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية وتلك التي بدأت تتجه نحو الاقتصاد الرقمي والإصلاح المؤسسي. ويلاحظ أن التقرير لا يربط النمو بعامل واحد، وإنما بمجموعة من المحددات الاقتصادية التي تختلف من دولة إلى أخرى.

يبرز التقرير كذلك الدور المتنامي لقطاع الخدمات في نيجيريا، الأمر الذي يعكس تحولًا تدريجيًا نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، حيث أصبحت الخدمات المالية والرقمية والاتصالات تمثل مصدرًا مهمًا للناتج المحلي، إلى جانب القطاع النفطي. فإن استمرار هيمنة قطاع الخدمات يعكس تطورًا في البنية الاقتصادية، لكنه لا يلغي استمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، وهو ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.

يعرض التقرير تجربة غرب أفريقيا باعتبارها مثالًا على تنوع مسارات النمو، إلا أنه لا يناقش بدرجة كافية التحديات المرتبطة باستدامة هذا النمو. فالاعتماد على قطاع الهيدروكربونات في السنغال أو النفط في النيجر ونيجيريا يظل مرتبطًا بتقلبات الأسعار العالمية والتحولات في سوق الطاقة، وهو ما قد يحد من استقرار الأداء الاقتصادي على المدى الطويل.

كما أن التقرير يشير إلى نجاح برامج التحول الرقمي والإصلاح الإداري في السنغال، لكنه لا يقدم تقييمًا لمدى تأثير هذه الإصلاحات في تحسين الإنتاجية أو خلق فرص العمل أو الحد من التفاوت الاجتماعي. ويبدو أن التركيز انصب على معدلات النمو أكثر من جودة هذا النمو وآثاره التنموية.

وتبرز حالة غينيا بوصفها دليلًا على أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يعني بالضرورة تحسن مستويات الرفاه الاجتماعي، إذ يكشف استمرار ارتفاع معدل الفقر إلى 52% عن محدودية انتقال ثمار النمو إلى مختلف فئات المجتمع، وهو ما يفرض ضرورة تبني سياسات أكثر عدالة في توزيع العوائد الاقتصادية.

يمكن استنتاج أن اقتصادات غرب أفريقيا تسير في مسارات تنموية متفاوتة، تجمع بين الاعتماد على الموارد الطبيعية، والإصلاحات المؤسسية، والتحول الرقمي، وتنمية قطاع الخدمات. إلا أن استدامة هذه المسارات تظل رهينة بقدرة الدول على تنويع قواعدها الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على صادرات المواد الخام، وربط النمو الاقتصادي بتحسين مؤشرات التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية. كما تؤكد تجربة الإقليم أن النمو الحقيقي لا يقاس بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وحده، وإنما بقدرته على خلق فرص العمل، وخفض الفقر، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد في مواجهة التقلبات العالمية.

خامسًا: معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أفريقيا حسب الأقاليم الفرعية (2024–2026)
يُعد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من أهم المؤشرات الاقتصادية المستخدمة في تقييم أداء الاقتصادات، إذ يعكس الزيادة الفعلية في قيمة السلع والخدمات المنتجة بعد استبعاد أثر التضخم، بما يوفر صورة أكثر دقة عن مستوى النشاط الاقتصادي الحقيقي. وتكتسب دراسة هذا المؤشر في القارة الإفريقية أهمية خاصة في ظل التفاوت الواضح بين الأقاليم الفرعية من حيث الموارد الطبيعية، والبنية الاقتصادية، ومستويات التنمية، والاستقرار السياسي، والقدرة على جذب الاستثمارات، فضلًا عن اختلاف السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية التي تنتهجها دول كل إقليم.

وخلال الفترة (2024–2026)، تشير التقديرات إلى استمرار تعافي الاقتصادات الإفريقية مدعومة بتحسن الطلب المحلي والخارجي، وتزايد الاستثمارات في البنية التحتية، وتوسع الاقتصاد الرقمي، وتحسن أداء قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات في عدد من الدول. وفي المقابل، لا تزال معدلات النمو تتأثر بمجموعة من التحديات، من أبرزها ارتفاع مستويات الدين العام، وتقلبات أسعار السلع الأساسية، والتغيرات المناخية، واستمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي تؤثر في سلاسل الإمداد وحركة التجارة والاستثمار.

كما تُبرز المقارنة بين الأقاليم الفرعية أن معدلات النمو لا تتوزع بصورة متساوية داخل القارة، بل تختلف باختلاف الهياكل الاقتصادية ودرجة التنوع الإنتاجي ومستوى التكامل الإقليمي. فبعض الأقاليم تحقق معدلات نمو مرتفعة نتيجة التوسع في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والطاقة والاستثمارات العامة، في حين تواجه أقاليم أخرى تباطؤًا نسبيًا بسبب اعتمادها الكبير على تصدير المواد الأولية أو تأثرها بالصراعات والتحديات الأمنية والبيئية. ويؤكد ذلك أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام لا يرتبط فقط بوفرة الموارد الطبيعية، وإنما يعتمد أيضًا على جودة السياسات الاقتصادية، وكفاءة المؤسسات، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، بما يدعم قدرة الاقتصادات الإفريقية على تحقيق معدلات نمو أكثر استدامة وشمولًا خلال السنوات المقبلة.

 

Screenshot 11 1

الشكل (1) يوضح: مقارنة لمعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي
في الأقاليم الفرعية بالقارة الأفريقية خلال الأعوام 2024 و2025 و2026.

توضح البيانات أن شرق أفريقيا يحتفظ بموقعه باعتباره الإقليم الأعلى نموًا، إذ يرتفع معدل النمو من نحو 5.3% عام 2024 إلى 5.4% عام 2025، ثم يصل إلى 5.8% عام 2026، وهو أعلى معدل نمو بين جميع الأقاليم الأفريقية. ويأتي غرب أفريقيا في المرتبة الثانية، حيث يرتفع معدل النمو تدريجيًا من نحو 4.1% إلى 4.5% ثم 4.6%، بما يعكس تحسن النشاط الاقتصادي في عدد من دول الإقليم. أما شمال أفريقيا، فيحافظ على أداء اقتصادي قوي نسبيًا، إذ يسجل معدل نمو يقارب 3.8% عام 2024، قبل أن يرتفع إلى 4.4% خلال عامي 2025 و2026.

في المقابل، يسجل وسط أفريقيا نموًا أكثر اعتدالًا، حيث يرتفع من نحو 3.4% إلى 3.5% ثم 3.7%، بينما يظل إقليم الجنوب الأفريقي الأقل نموًا، إذ يتحسن من حوالي 2.2% في عام 2024 إلى 2.5% عام 2025، ثم يصل إلى نحو 2.8% خلال عام 2026. وتكشف المقارنة أن جميع الأقاليم الأفريقية تتجه نحو تحقيق معدلات نمو أعلى خلال عام 2026، إلا أن سرعة هذا التحسن تختلف بصورة واضحة من إقليم إلى آخر.

يعكس الشكل أن النمو الاقتصادي في أفريقيا لا يسير بوتيرة واحدة، وإنما يتسم بتفاوت إقليمي واضح يعكس اختلاف الهياكل الاقتصادية، ومستويات الاستثمار، والاستقرار السياسي، وكفاءة المؤسسات، ودرجة الانفتاح الاقتصادي.

يبرز شرق أفريقيا بوصفه النموذج الأكثر ديناميكية داخل القارة، نتيجة نجاح عدد من دوله في توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الطلب المحلي، وتنويع القطاعات الإنتاجية. ويؤكد استمرار ارتفاع معدلات النمو خلال السنوات الثلاث أن اقتصادات الإقليم تمتلك قدرة نسبية على المحافظة على زخم النمو رغم التحديات العالمية.

أما غرب أفريقيا، فيعكس مسار نموه استفادة عدد من اقتصاداته من الإصلاحات الاقتصادية، وتحسن إنتاج الطاقة، واتساع النشاط الخدمي، إلا أن استمرار اعتماد بعض دوله على صادرات النفط والمواد الأولية يجعل هذا النمو أكثر ارتباطًا بتقلبات الأسواق العالمية. وفي شمال أفريقيا، تكشف البيانات عن أداء أكثر استقرارًا، مدعومًا بتنوع مصادر النشاط الاقتصادي بين الطاقة والصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، وهو ما يمنح اقتصادات الإقليم قدرة أكبر على تحقيق التوازن مقارنة بالاقتصادات المعتمدة على قطاع واحد.

أما وسط أفريقيا والجنوب الأفريقي، فتشير معدلات النمو المحدودة إلى استمرار التحديات الهيكلية، مثل ضعف التصنيع، وانخفاض الإنتاجية، ومحدودية الاستثمارات، واستمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام، فضلًا عن تأثير الأزمات السياسية في بعض الدول.

تشير هذه المؤشرات إلى أن الأداء الاقتصادي في أفريقيا يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة كل إقليم على تنويع قاعدته الإنتاجية وتحسين كفاءة مؤسساته الاقتصادية. فالأقاليم التي استثمرت في البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتنمية رأس المال البشري، استطاعت تحقيق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة، في حين ظلت الاقتصادات الأقل تنوعًا أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

كما تؤكد البيانات أن النمو الاقتصادي لا يعتمد فقط على وفرة الموارد الطبيعية، وإنما يرتبط أيضًا بجودة السياسات العامة، وكفاءة إدارة الموارد، ووجود بيئة استثمارية مستقرة، وهو ما يفسر تفوق بعض الدول غير الغنية بالموارد الطبيعية على دول تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط أو المعادن.

على الرغم من أهمية الشكل في إبراز الفروق الإقليمية، فإنه يقدم النمو الاقتصادي باعتباره المؤشر الرئيس للأداء الاقتصادي، دون أن يوضح مدى انعكاس هذا النمو على مؤشرات التنمية البشرية، أو خلق فرص العمل، أو تحسين توزيع الدخل. فارتفاع معدل النمو لا يعني بالضرورة تحسن مستوى رفاه المواطنين إذا لم يصاحبه توسع في التشغيل وزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات الأساسية.

كما أن الشكل يركز على المتوسطات الإقليمية، وهو ما قد يخفي التفاوتات الكبيرة بين الدول داخل الإقليم الواحد. فقد يحقق عدد محدود من الدول معدلات نمو مرتفعة ترفع متوسط الإقليم، بينما تستمر دول أخرى في مواجهة أزمات اقتصادية وهيكلية عميقة. ويلاحظ كذلك أن التقرير لا يناقش بصورة تفصيلية المخاطر التي قد تؤثر في هذه التوقعات، مثل تصاعد التوترات الجيوسياسية، أو تقلبات أسعار السلع الأولية، أو آثار التغير المناخي، وهي عوامل قد تؤدي إلى تعديل توقعات النمو خلال فترة قصيرة.

يؤكد الشكل أن أفريقيا تتجه نحو تحسن تدريجي في الأداء الاقتصادي، إلا أن هذا التحسن لا يتوزع بصورة متساوية بين الأقاليم الفرعية. ويبرز شرق أفريقيا باعتباره المحرك الرئيس للنمو في القارة، بينما تستمر بعض الأقاليم الأخرى في مواجهة تحديات هيكلية تحد من قدرتها على تحقيق معدلات نمو مرتفعة. ومن ثم، فإن تضييق الفجوة التنموية بين الأقاليم الأفريقية يتطلب سياسات تركز على تنويع الاقتصاد، وتعزيز الابتكار، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الحوكمة، بما يضمن انتقال النمو الاقتصادي من مجرد تحسن في المؤشرات الكلية إلى تنمية اقتصادية واجتماعية أكثر شمولًا واستدامة.

سادسًا: أداء وسط أفريقيا وجنوب الأفريقي
من المتوقع أن يسهم تعافي إنتاج النفط والاستثمار في البنية التحتية في ليبيا في تعزيز الأداء الاقتصادي لإقليم شمال أفريقيا، على الرغم من استمرار الحرب الأهلية في السودان، التي لا تزال تشكل عاملًا ضاغطًا على آفاق النمو في الإقليم.

وفي وسط أفريقيا، يُتوقع أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي من نحو 2.8% عام 2025 إلى 3.0% عام 2026، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، ولا سيما في مجالي النقل والتحول الرقمي، إلى جانب تحسن الحوكمة والمؤسسات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي من خلال السياسات المالية والنقدية، والاستفادة من الموارد الطبيعية، خاصة في قطاعي الزراعة والطاقة، فضلًا عن تسارع وتيرة التحضر، بقيادة كل من الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد. ومع ذلك، يظل وسط أفريقيا من بين أقل الأقاليم أداءً على مستوى القارة، متقدمًا فقط على إقليم الجنوب الأفريقي.

أما الجنوب الأفريقي، فمن المتوقع أن يحقق معدل نمو يبلغ نحو 1.9% خلال الفترة 2025–2027، بعد أن سجل نموًا مستقرًا عند 1.6% منذ عام 2024. وفي جنوب أفريقيا، أكبر اقتصادات الإقليم، ظل النمو الاقتصادي محدودًا عند نحو 1.0% في عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 1.4% في عام 2026 و1.7% في عام 2027. ويعزو التقرير هذا الأداء المحدود إلى استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة، ونقص الموارد المائية، وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة. وفي المقابل، يتوقع أن تتصدر زامبيا وزيمبابوي النمو الاقتصادي داخل الإقليم خلال عام 2026، مدعومتين بتحسن أداء قطاع التعدين، وقوة النشاط الزراعي، وارتفاع أسعار السلع الأولية.

نكشف هنا عن التفاوت الواضح في ديناميكيات النمو بين الأقاليم الأفريقية، حيث يتداخل العامل الاقتصادي مع الأبعاد السياسية والمؤسسية والبيئية. فبينما تعتمد بعض الاقتصادات على تعافي إنتاج النفط أو استغلال الموارد الطبيعية، تعتمد أخرى على تحسين جودة المؤسسات والاستثمار في البنية التحتية والتحول الرقمي.

يوضح التقرير أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والنقل بوصفه محركًا للنمو في وسط أفريقيا، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في الرؤية التنموية من الاقتصار على استغلال الموارد الطبيعية إلى تعزيز كفاءة الاقتصاد ورفع إنتاجيته من خلال تحسين البنية الأساسية. وفي المقابل، يوضح التقرير أن الأداء المحدود للجنوب الأفريقي لا يرجع إلى ضعف الموارد الاقتصادية، وإنما إلى وجود قيود هيكلية، مثل أزمات الطاقة، وشح المياه، والتغيرات المناخية، وهي عوامل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في القدرة الإنتاجية وجاذبية الاستثمار.

كما تؤكد البيانات أن العوامل البيئية أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تفسير الأداء الاقتصادي، وهو ما يعكس اتساع العلاقة بين الاقتصاد والتنمية المستدامة، بحيث لم يعد النمو يعتمد فقط على رأس المال والعمل، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة الدول على إدارة الموارد الطبيعية والتكيف مع المخاطر المناخية.

تشير هذه النتائج إلى أن تحقيق النمو الاقتصادي في أفريقيا أصبح يتطلب مزيجًا من الإصلاحات المؤسسية والاستثمارات الإنتاجية والسياسات البيئية. فالدول التي تمكنت من تحسين الحوكمة وتطوير البنية التحتية استطاعت تحقيق معدلات نمو أعلى، حتى وإن كانت مواردها الطبيعية محدودة.

كما يبرز التقرير أن الاعتماد على قطاع التعدين أو النفط لا يكفي وحده لتحقيق التنمية، إذ يتوقف أثر هذه الموارد على كفاءة إدارتها وقدرة الحكومات على توظيف عائداتها في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ناحية أخرى، تؤكد الإشارة إلى أزمات الطاقة والمياه في جنوب أفريقيا أن التغيرات المناخية أصبحت تمثل قيدًا اقتصاديًا حقيقيًا، يؤثر في الإنتاج الصناعي والزراعي، ويحد من تنافسية الاقتصادات الوطنية.

على الرغم من أن التقرير يربط النمو بتحسن الحوكمة والاستثمار في البنية التحتية، فإنه لا يقدم تحليلًا تفصيليًا لآليات تحسين المؤسسات، أو كيفية معالجة التحديات المرتبطة بالفساد وضعف الإدارة العامة، وهي عوامل تمثل أحد أهم معوقات التنمية في عدد من دول وسط أفريقيا.

كما أن التقرير يعالج تأثير التغيرات المناخية بوصفها عاملًا خارجيًا يحد من النمو، دون أن يناقش بصورة معمقة سياسات التكيف المناخي أو التحول نحو الاقتصاد الأخضر، التي أصبحت تمثل عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات التنمية الحديثة. ويلاحظ كذلك أن استمرار الاعتماد على التعدين والموارد الطبيعية في بعض الدول قد يحد من فرص تحقيق تحول هيكلي طويل الأجل إذا لم يصاحبه توسع في التصنيع والاقتصاد الرقمي.

يمكن استخلاص أن مستقبل النمو في وسط أفريقيا والجنوب الأفريقي يتوقف على قدرة الدول على الجمع بين الإصلاح المؤسسي، والاستثمار في البنية التحتية، وتنويع الاقتصاد، والتكيف مع التحديات البيئية. كما تؤكد التجارب الواردة في التقرير أن وفرة الموارد الطبيعية لا تكفي لتحقيق التنمية، ما لم تُدار ضمن سياسات اقتصادية رشيدة تستهدف رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية وتحقيق التنمية المستدامة.

2) التحول الرقمي والتكنولوجيا بوصفهما محركًا للنمو الاقتصادي الأفريقي

أولًا: استمرار هيمنة قطاع الخدمات على الناتج المحلي الإجمالي مع الدور المتزايد للتكنولوجيا والابتكار
إنطلاقًا من مقولة: “تمتلك التكنولوجيات المتقدمة والابتكار إمكانات كبيرة لتسريع تحول قطاع الخدمات في أفريقيا، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.”

تعكس هذه العبارة الفكرة المحورية التي يقوم عليها التقرير، وهي أن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا، بل أصبحت قوة دافعة لإعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية كافة، وخاصة قطاع الخدمات الذي يمثل أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي في معظم الاقتصادات الأفريقية. ويشير التقرير إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، والتكنولوجيا المالية، قادرة على رفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتقليل تكاليف المعاملات، وتعزيز الشمول المالي، مما يؤدي إلى زيادة القيمة المضافة لقطاع الخدمات.

من منظور نقدي، تبدو هذه الرؤية منطقية، لكنها قد تنطوي على قدر من التفاؤل؛ إذ إن تحقيق هذه النتائج مشروط بتوافر بنية تحتية رقمية متطورة، وتشريعات فعالة، واستثمارات مستمرة في التعليم والمهارات الرقمية، فضلًا عن تقليص الفجوة الرقمية بين الدول وداخلها. ومن ثم، فإن التكنولوجيا لا تُحدث التحول الاقتصادي بصورة تلقائية، بل تعتمد فاعليتها على البيئة المؤسسية والسياسات العامة التي تحكم توظيفها. ويُستنتج من ذلك أن مستقبل الاقتصاد الأفريقي لن يتحدد بامتلاك التكنولوجيات المتقدمة في حد ذاته، وإنما بقدرة الدول على دمجها في استراتيجيات التنمية، وتحويلها إلى أدوات لزيادة الإنتاجية وتعزيز التنافسية وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولًا واستدامة.

يواصل قطاع الخدمات احتلال المرتبة الأولى من حيث المساهمة في الناتج الاقتصادي لأفريقيا، حيث استحوذ على نحو 48.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، يليه قطاع الصناعة بنسبة 26.2%، ويشمل ذلك الصناعات التحويلية التي تمثل 11.3%، ثم قطاع الزراعة بنسبة 17.9%.

ويرى التقرير أن التكنولوجيات المتقدمة والابتكار يمتلكان إمكانات كبيرة لتسريع تحول قطاع الخدمات، وكذلك القطاع الصناعي، وزيادة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي، خاصة أن قطاع الخدمات في معظم الدول الأفريقية لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة التقليدية. وفي الوقت نفسه، يبين التقرير أن معظم الاقتصادات الأفريقية ما زالت تعتمد على الزراعة، الأمر الذي يستدعي تبني سياسات واستثمارات تستفيد من التكنولوجيات المتقدمة والابتكار، مع مراعاة آثار التغير المناخي، بهدف رفع الإنتاجية الزراعية.

نكشف هنا عن تحول مهم في بنية الاقتصاد الأفريقي، حيث أصبح قطاع الخدمات يمثل المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، متجاوزًا القطاعين الصناعي والزراعي. ويعكس ذلك تطورًا تدريجيًا في هيكل الاقتصادات الأفريقية، إلا أن التقرير يلفت الانتباه إلى أن هذه الهيمنة لا تعني بالضرورة تطورًا نوعيًا، لأن جزءًا كبيرًا من الخدمات لا يزال تقليديًا ومنخفض الإنتاجية.

يذكر في التقرير أن دمج الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، والتكنولوجيا المالية في قطاع الخدمات يمكن أن يؤدي إلى رفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشمول المالي، وزيادة القيمة المضافة، بما يسهم في رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي. وفي القطاع الزراعي، يؤكد التقرير أن التكنولوجيا تمثل وسيلة لتحسين الإنتاجية، وترشيد استخدام المياه، وتعزيز الأمن الغذائي، خاصة في ظل تزايد آثار التغير المناخي على الاقتصادات الأفريقية.

يتبنى التقرير رؤية متفائلة تجاه دور التكنولوجيا، إلا أنه يفترض ضمنيًا أن التحول الرقمي سيقود تلقائيًا إلى رفع الإنتاجية، بينما تشير التجارب التنموية إلى أن نجاح هذا التحول يتطلب بنية تحتية رقمية قوية، وتشريعات فعالة، واستثمارات في التعليم والمهارات، إضافة إلى بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب الابتكار.

كما أن التقرير لا يناقش بصورة كافية مخاطر التحول الرقمي، مثل اتساع الفجوة الرقمية بين الدول وداخلها، أو احتمالات فقدان بعض الوظائف التقليدية نتيجة الأتمتة، أو قضايا حماية البيانات والسيادة الرقمية، وهي موضوعات أصبحت جزءًا أساسيًا من اقتصاد التكنولوجيا المعاصر.

ينتهي التقرير إلى أن التكنولوجيا والابتكار يمثلان ركيزة أساسية لإعادة هيكلة الاقتصاد الأفريقي، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز الاستخدام التقليدي للتكنولوجيا نحو بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير المؤسسات، بما يضمن أن يتحول النمو الرقمي إلى تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة، لا تقتصر على تحسين المؤشرات الكلية فحسب، بل تمتد آثارها إلى رفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الأفريقية.

ثانيًا: التكنولوجيات المتقدمة والابتكار محرك لتعزيز النمو الاقتصادي في أفريقيا: التجارب الأفريقية الرائدة
يشير التقرير إلى أن محدودية انتشار التكنولوجيات المتقدمة ومستوى تبنيها في بعض القطاعات الاقتصادية تؤكد الحاجة إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا. وقد أسهمت الاستثمارات الإستراتيجية في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب السياسات الرقمية الشاملة والإصلاحات المؤسسية، في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية ملموسة في العديد من الدول الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.

كما ساعد التقدم التكنولوجي بصورة متزايدة في دفع عجلة النمو الاقتصادي من خلال تعزيز الشمول المالي، وتطوير التعليم، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين الحوكمة، وتيسير الوصول إلى الخدمات العامة. وأسهمت هذه الجهود في زيادة مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) في الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز الشمول المالي، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في كل من غانا وكينيا وموريشيوس والمغرب وجنوب أفريقيا.

تجربة موريشيوس في الحكومة الإلكترونية وقطاع تعهيد العمليات التجارية
في موريشيوس، شكّل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية أحد أهم العوامل التي أسهمت في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته. فقد أدى التوسع في نشر شبكات الألياف الضوئية (Fiber Optic Networks) إلى توفير اتصال عالي السرعة بالإنترنت في مختلف أنحاء البلاد، مما حسّن كفاءة نقل البيانات، وخفّض زمن الاستجابة، وأوجد بيئة رقمية قادرة على استيعاب التطبيقات والخدمات الحديثة. وأسهم ذلك في جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ودعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي.

وبالتوازي مع ذلك، عملت الحكومة على تطوير منصات الحكومة الإلكترونية (e-Government)، من خلال رقمنة الخدمات الحكومية وإتاحة العديد من المعاملات عبر الإنترنت، مثل تسجيل الشركات، والخدمات الضريبية، والتراخيص، والخدمات الجمركية، الأمر الذي عزز كفاءة الإدارة العامة، ورفع مستوى الشفافية، وقلل الوقت والتكاليف المرتبطة بالإجراءات الإدارية، كما سهّل ممارسة الأعمال وحسّن مناخ الاستثمار.

قد انعكس هذا التطور الرقمي بصورة مباشرة على نمو قطاع خدمات تعهيد العمليات التجارية (Business Process Outsourcing – BPO)، الذي يعتمد على البنية الرقمية المتقدمة لتقديم خدماته إلى الشركات العالمية، مثل مراكز الاتصال، وخدمات دعم العملاء، ومعالجة البيانات، والخدمات المالية والمحاسبية، وتطوير البرمجيات، والخدمات القانونية والإدارية. واستفادت موريشيوس من موقعها الجغرافي، وإتقان القوى العاملة للغتين الإنجليزية والفرنسية، واستقرارها السياسي، لتصبح مركزًا إقليميًا لتقديم هذه الخدمات للأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.

أصبح قطاع تعهيد العمليات التجارية أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد الموريشي، إذ يسهم بنحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب دوره في توفير آلاف فرص العمل، ولا سيما للشباب والخريجين في مجالات تكنولوجيا المعلومات، وتحليل البيانات، وإدارة الأعمال، وخدمة العملاء. كما أسهم في تنويع هيكل الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، مثل الزراعة والسياحة، وتعزيز قدرة الدولة على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، بما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويرفع من تنافسية موريشيوس على المستوى الدولي.

تجربة جنوب أفريقيا في تنمية قطاع تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا المالية (FinTech).
مثّل تطوير البنية التحتية الرقمية في جنوب أفريقيا ركيزة أساسية لدعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتعزيز النمو الاقتصادي. فقد استثمرت الدولة في توسيع شبكات الألياف الضوئية (Fiber Optic Networks)، وتحسين خدمات الاتصالات، وزيادة انتشار الإنترنت فائق السرعة، إلى جانب تطوير مراكز البيانات (Data Centers) وخدمات الحوسبة السحابية (Cloud Computing)، بما أسهم في تهيئة بيئة رقمية أكثر قدرة على استيعاب الابتكار والاستثمارات التقنية.

قد انعكس هذا التطور بصورة مباشرة على نمو قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (Information and Communication Technology – ICT) والتكنولوجيا المالية (Financial Technology – FinTech)، اللذين أصبحا من أكثر القطاعات ديناميكية في الاقتصاد الجنوب أفريقي. وأسهمت الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في توسيع نطاق المدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية الإلكترونية، والإقراض الرقمي، والتأمين الرقمي، والمحافظ الإلكترونية، الأمر الذي عزز وصول الخدمات المالية إلى شرائح واسعة من السكان، ولا سيما الأفراد غير المشمولين بالنظام المصرفي التقليدي، وساعد على تعزيز الشمول المالي (Financial Inclusion).

في الوقت نفسه، أدى التوسع في الاقتصاد الرقمي إلى زيادة الطلب على الكفاءات المتخصصة في مجالات البرمجيات، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، مما أسهم في توفير فرص عمل جديدة وتنمية المهارات الرقمية. كما ساعدت الرقمنة على رفع إنتاجية المؤسسات، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين كفاءة تقديم الخدمات في القطاعين العام والخاص، بما عزز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

في ضوء هذه التطورات، تشير التقديرات إلى أن مساهمة قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا المالية في الناتج المحلي الإجمالي لجنوب أفريقيا سترتفع إلى ما بين 15% و20% بحلول عام 2025، مقارنة بما تراوح بين 8% و10% في عام 2020، وهو ما يعكس الدور المتزايد للاقتصاد الرقمي في دعم النمو الاقتصادي، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الشمول المالي، ورفع مستويات الإنتاجية والابتكار.

تجربة كينيا في الابتكار المالي ونظام M-Pesa.
في كينيا، أسهمت الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تبني أطر تنظيمية وتشريعية داعمة للابتكار، في ترسيخ مكانة البلاد بوصفها أحد أبرز مراكز الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية في إفريقيا. وقد وفرت الحكومة بيئة مواتية لنمو الشركات الناشئة، وشجعت الاستثمار في خدمات الاتصالات والإنترنت، والتطبيقات الرقمية، وحلول الدفع الإلكتروني، بما عزز التحول نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا.

يُعد نظام إم-بيسا (M-Pesa) أحد أبرز النماذج العالمية في مجال التكنولوجيا المالية (Financial Technology – FinTech)، إذ أحدث تحولًا جذريًا في الخدمات المالية من خلال إتاحة تحويل الأموال، وسداد المدفوعات، والادخار، والحصول على بعض الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة، دون الحاجة إلى امتلاك حسابات مصرفية تقليدية. وقد أسهم ذلك في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية، وزيادة معدلات الشمول المالي (Financial Inclusion)، ولا سيما بين سكان المناطق الريفية والفئات منخفضة الدخل، فضلًا عن دعم النشاط الاقتصادي وتقليل تكاليف المعاملات المالية.

كما أسهمت البيئة الرقمية المتطورة في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة (Small and Medium-sized Enterprises – SMEs)، من خلال تسهيل الوصول إلى التمويل الرقمي، وتوفير حلول مبتكرة لإدارة الأعمال، مثل أنظمة المحاسبة الإلكترونية، وإدارة المخزون، والتجارة الإلكترونية، وخدمات الدفع والتحصيل الرقمي، وهو ما ساعد هذه المشروعات على تحسين كفاءتها التشغيلية، وتوسيع نطاق أعمالها، وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.

أدى انتشار المدفوعات الرقمية السريعة والآمنة إلى زيادة كفاءة الأنشطة التجارية، وتقليل الاعتماد على النقد، ورفع مستوى الشفافية المالية، بما دعم النمو الاقتصادي وخلق بيئة أكثر جذبًا للاستثمار. كما عززت هذه التحولات قدرة الأفراد والشركات على الاندماج في الاقتصاد الرقمي، وأسهمت في تسريع وتيرة الابتكار وريادة الأعمال.

في هذا السياق، توقعت التقارير أن يؤدي التوسع في استخدام التقنيات الرقمية في قطاعات الزراعة، والصناعة، والنقل، والتجارة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة بحلول عام 2028، من خلال زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل، فضلًا عن تحقيق إيرادات ضريبية كبيرة نتيجة اتساع النشاط الاقتصادي الرسمي، بما يعكس الدور المتنامي للتحول الرقمي في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في كينيا.

تجربة غانا في نمو قطاع الاتصالات والخدمات المالية الرقمية.
في غانا، أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (Information and Communication Technology – ICT) أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي، نتيجة الاستثمارات المتزايدة في البنية التحتية الرقمية، والتوسع في خدمات الاتصالات والإنترنت، وتبني سياسات وطنية تستهدف دعم التحول الرقمي. وقد انعكس ذلك في الارتفاع الملحوظ لمساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، إذ ارتفعت قيمته من نحو 4.4 مليار سيدي غاني (GHS) عام 2016 إلى ما يقرب من 21 مليار سيدي غاني عام 2022، بما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس تنامي الدور الاقتصادي للقطاع بوصفه أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الوطني.

ولم يقتصر أثر هذا النمو على قطاع التكنولوجيا وحده، بل امتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، حيث أسهمت الرقمنة في تحسين كفاءة المؤسسات، وتسهيل ممارسة الأعمال، وتوسيع نطاق التجارة الإلكترونية، ورفع إنتاجية الشركات، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمارات المحلية والأجنبية في المجالات الرقمية.

وفي الوقت ذاته، برزت الخدمات المالية الرقمية (Digital Financial Services)، ولا سيما خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول (Mobile Money)، باعتبارها أحد أهم أدوات تعزيز الشمول المالي (Financial Inclusion) في غانا. فقد أتاحت هذه الخدمات لملايين المواطنين، خاصة في المناطق الريفية والنائية، الوصول إلى الخدمات المالية دون الحاجة إلى حسابات مصرفية تقليدية، من خلال إجراء التحويلات المالية، وسداد المدفوعات، وشراء السلع والخدمات، والادخار، وسداد الفواتير، والحصول على بعض الخدمات الائتمانية عبر الهواتف المحمولة.

وقد أسهم هذا الانتشار الواسع في دمج شرائح كبيرة من السكان في الاقتصاد الرسمي، وزيادة حجم المعاملات المالية الرقمية، وتحسين كفاءة الأسواق، وخفض تكاليف التحويلات المالية، فضلًا عن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تسهيل عمليات الدفع والتحصيل والوصول إلى التمويل. كما أدى ذلك إلى تعزيز النشاط الاقتصادي المحلي، ورفع معدلات الاستهلاك والاستثمار، وتحسين مستويات المعيشة.

وتشير التقديرات إلى أن انتشار الخدمات المالية الرقمية أسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تراوحت بين 8% و10%، كما أدى إلى ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل بنحو 530 دولارًا أمريكيًا حتى نهاية عام 2023، وهو ما يعكس الأثر الاقتصادي والاجتماعي العميق للتحول الرقمي في تحسين مستويات الدخل، والحد من الفقر، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

ويختتم التقرير بالتأكيد على أن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في الدول الإفريقية لا يعتمد على الاستثمار في التكنولوجيا وحده، بل يتطلب تبني نهج تنموي متكامل يقوم على تنمية المهارات البشرية (Human Capital Development)، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على التعامل مع التقنيات الرقمية الحديثة، إلى جانب تحسين النشاط الصناعي من خلال رفع الكفاءة الإنتاجية، وتعزيز التصنيع القائم على المعرفة، وتوسيع فرص الحصول على التمويل (Access to Finance)، بما يدعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال.

كما يؤكد التقرير أهمية وجود مؤسسات فعالة (Effective Institutions) تتمتع بالكفاءة والشفافية والقدرة على تنفيذ السياسات الاقتصادية، فضلًا عن ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي (Regional Cooperation) بين الدول الإفريقية في مجالات التجارة الرقمية، وتطوير البنية التحتية المشتركة، وتنسيق التشريعات، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا. ويرى التقرير أن تكامل هذه العوامل يمثل الأساس لزيادة الإنتاجية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولًا واستدامة في المستقبل.

يعكس هذا الجزء تحولًا جوهريًا في فلسفة التنمية الاقتصادية التي يتبناها التقرير، إذ لم تعد التكنولوجيا تُقدَّم بوصفها قطاعًا اقتصاديًا منفصلًا، وإنما باعتبارها عاملًا إنتاجيًا أفقيًا (Horizontal Productivity Driver) يؤثر في جميع القطاعات الاقتصادية.

فالتكنولوجيا الرقمية أصبحت وسيلة لزيادة كفاءة الأسواق، وتحسين تخصيص الموارد، وتقليل تكاليف المعاملات، ورفع إنتاجية العمل ورأس المال، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو الاقتصادي. كما يبرز التقرير أن التحول الرقمي لا يقتصر على تطوير البنية التحتية التقنية، بل يتطلب وجود منظومة متكاملة تشمل التشريعات، والحوكمة الرقمية، والابتكار المالي، والتعليم، وتنمية المهارات، بحيث تتحول التكنولوجيا إلى ركيزة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

وتكشف النماذج التي يقدمها التقرير عن اختلاف مسارات التحول الرقمي بين الدول الأفريقية. ففي موريشيوس ارتبط النجاح بتطوير خدمات الأعمال الرقمية، وفي كينيا قاد الابتكار المالي عملية الإدماج المالي، بينما اعتمدت جنوب أفريقيا على تنمية الاقتصاد الرقمي وقطاع التكنولوجيا المالية، في حين ركزت غانا على تعظيم مساهمة قطاع الاتصالات والخدمات المالية الرقمية في النشاط الاقتصادي.

ويؤكد كذلك أن التكنولوجيا أصبحت أداة لتعزيز الشمول الاقتصادي (Economic Inclusion)، إذ أتاحت الخدمات المالية الرقمية الوصول إلى فئات كانت مستبعدة من النظام المالي التقليدي، وأسهمت في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لمعظم الاقتصادات الأفريقية.

تشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين التكنولوجيا والنمو الاقتصادي لم تعد علاقة غير مباشرة، بل أصبحت علاقة إنتاجية واضحة يمكن قياسها من خلال ارتفاع مساهمة القطاعات الرقمية في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة فرص العمل، وتحسن كفاءة الخدمات الحكومية، واتساع نطاق الشمول المالي.

كما تؤكد البيانات أن نجاح التحول الرقمي لا يرتبط بحجم الإنفاق على التكنولوجيا وحده، وإنما يعتمد على وجود بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب الابتكار، وتوفير الأطر القانونية والتنظيمية التي تشجع الاستثمار، وتحمي المعاملات الرقمية، وتدعم المنافسة العادلة. ومن ثم، فإن التجارب الواردة في التقرير توضح أن التكنولوجيا تصبح أكثر فاعلية عندما تُدمج في إستراتيجية تنموية شاملة، تربط بين الاقتصاد الرقمي، والإصلاح المؤسسي، وتنمية رأس المال البشري، وتحسين بيئة الأعمال.

على الرغم من أن التقرير يقدم رؤية متفائلة بشأن أثر التكنولوجيا في التنمية الاقتصادية، فإنه يركز بدرجة كبيرة على التجارب الناجحة، دون أن يناقش بالقدر نفسه التحديات التي تواجه تعميم هذه التجارب في بقية الدول الأفريقية. كما لا يتناول التقرير بصورة كافية الفجوة الرقمية بين الدول، أو بين المناطق الحضرية والريفية، وهي فجوة قد تحد من عدالة توزيع المكاسب الاقتصادية الناتجة عن التحول الرقمي. كذلك، يغيب عن التقرير تحليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية، مثل الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والاحتكار الرقمي، وإحلال الأتمتة محل بعض الوظائف التقليدية. ويلاحظ أيضًا أن التقرير يربط بين التكنولوجيا والنمو الاقتصادي، لكنه لا يناقش بصورة معمقة أثر التكنولوجيا في معالجة التفاوتات الاجتماعية أو الحد من الفقر، وهي مؤشرات لا تقل أهمية عن زيادة الناتج المحلي الإجمالي.

يخلص هذا الجزء من التقرير إلى أن التكنولوجيات المتقدمة والابتكار لم تعد أدوات مساندة للتنمية، بل أصبحت محركًا رئيسًا لإعادة تشكيل الاقتصاد الأفريقي. وتؤكد التجارب الواردة أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الابتكار المالي، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وتنمية المهارات، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وتوسيع الشمول المالي، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي. غير أن تحقيق هذه النتائج بصورة مستدامة يظل مرهونًا بتعزيز الحوكمة الرقمية، وتقليص الفجوة التكنولوجية، وتطوير الأطر التشريعية، والاستثمار المستمر في رأس المال البشري، حتى يصبح التحول الرقمي أداة لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة، وليس مجرد تطور تقني محدود النطاق.

في عام 2026، واصلت الاقتصادات الإفريقية توسيع مسار التحول الرقمي، مع تزايد الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، وشبكات الجيل الخامس (5G)، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. وأسهمت هذه التطورات في تعزيز مساهمة الاقتصاد الرقمي في النمو الاقتصادي، وتحسين كفاءة القطاعات الإنتاجية، وتوسيع نطاق الخدمات المالية الرقمية، ودعم التجارة الإلكترونية وريادة الأعمال.

كما شهدت القارة توسعًا في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الزراعة، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات الحكومية، إلى جانب تنامي الاهتمام بوضع أطر تشريعية وتنظيمية لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يعزز الابتكار ويحافظ في الوقت نفسه على الخصوصية والأمن السيبراني. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد الرقمي لم يعد قطاعًا مستقلًا، بل أصبح ركيزة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية في الاقتصاد العالمي.

3) التكنولوجيا المتقدمة ودورها في تطوير القطاعات الإنتاجية في أفريقيا: نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية
تكشف المعطيات الواردة في تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 أن التكنولوجيات المتقدمة (Frontier Technologies) لم تعد مجرد أدوات تقنية لتحسين الأداء التشغيلي، وإنما أصبحت أحد المحددات الرئيسة لإعادة هيكلة الاقتصادات الأفريقية ورفع كفاءتها الإنتاجية. ويؤكد التقرير أن محدودية انتشار هذه التقنيات في بعض القطاعات الاقتصادية تستدعي زيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير السياسات الرقمية الشاملة، وتعزيز الأطر المؤسسية الداعمة للابتكار، بما يسمح بتحويل التكنولوجيا إلى محرك رئيس للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.

أولًا: التكنولوجيا والتحول في قطاع الخدمات
يشير التقرير إلى أن قطاع الخدمات يمثل أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي بنسبة 48.8%، إلا أن جانبًا كبيرًا من هذا القطاع لا يزال يعتمد على أنشطة تقليدية منخفضة الإنتاجية. ومن ثم، فإن إدماج التكنولوجيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، والحوسبة السحابية (Cloud Computing)، وتحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics)، والتكنولوجيا المالية (FinTech)، من شأنه أن يحدث تحولًا نوعيًا في طبيعة الخدمات المقدمة، ويرفع كفاءتها وجودتها ويزيد من قدرتها على خلق القيمة المضافة.

تؤكد التجربة الكينية، كما يعرضها التقرير، أن الابتكار المالي المتمثل في منصة M-Pesa لم يقتصر أثره على تطوير وسائل الدفع الإلكتروني، بل امتد إلى توسيع نطاق الشمول المالي، وتسهيل وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، وتعزيز سرعة وكفاءة المعاملات المالية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي والإنتاجية.

ثانيًا: التكنولوجيا وتطوير القطاع الصناعي
يرى التقرير أن القطاع الصناعي الأفريقي يمتلك فرصًا كبيرة للاستفادة من التقنيات الحديثة، ولا سيما في مجالات الأتمتة الصناعية (Industrial Automation)، وإنترنت الأشياء (Internet of Things)، والروبوتات الصناعية، والتصنيع الذكي (Smart Manufacturing). ومن شأن هذه التطبيقات أن تؤدي إلى تحسين جودة المنتجات، وتقليل تكاليف الإنتاج، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وزيادة القدرة التنافسية للصناعات الأفريقية في الأسواق العالمية. كما يوضح التقرير أن التحول الرقمي لا يقتصر على تحديث خطوط الإنتاج، بل يشمل أيضًا تطوير سلاسل الإمداد، وتحسين إدارة المخزون، وتوظيف البيانات في اتخاذ القرارات الصناعية، بما يعزز قدرة الاقتصادات الأفريقية على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

ثالثًا: التكنولوجيا والقطاع الزراعي
يؤكد التقرير أن الزراعة لا تزال تمثل أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصادات الأفريقية، إذ تسهم بنسبة 17.9% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يعتمد عليها جزء كبير من السكان في توفير فرص العمل والدخل. وفي هذا السياق، يبرز دور التكنولوجيا في تحسين الإنتاج الزراعي من خلال استخدام الزراعة الذكية (Smart Agriculture)، والاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، وتحليل البيانات المناخية، بما يساعد على رفع الإنتاجية، وترشيد استخدام المياه، وتحسين إدارة الموارد الزراعية.

كما يشدد التقرير على ضرورة توجيه الاستثمارات نحو الابتكار الزراعي لمواجهة الآثار المتزايدة للتغيرات المناخية، التي أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات أمام الأمن الغذائي في القارة.

رابعًا: التكنولوجيا وتعزيز الشمول المالي
يبرز التقرير أن التحول الرقمي أسهم بصورة مباشرة في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، خاصة في الدول التي تبنت حلول التكنولوجيا المالية. فقد ساعدت المدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، والمنصات الإلكترونية، على دمج شرائح واسعة من السكان في النظام المالي الرسمي، الأمر الذي أدى إلى تحسين فرص التمويل، ودعم ريادة الأعمال، وزيادة النشاط الاقتصادي.

تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الخدمات المالية الرقمية في غانا أسهمت في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تراوحت بين 8% و10%، كما رفعت متوسط نصيب الفرد من الدخل بنحو 530 دولارًا أمريكيًا بحلول نهاية عام 2023، وهو ما يعكس الأثر الاقتصادي المباشر للتحول الرقمي في تعزيز الشمول المالي.

خامسًا: التكنولوجيا وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر
يؤكد التقرير أن تطوير البنية التحتية الرقمية وتحسين بيئة الأعمال الرقمية أصبحا من العوامل الرئيسة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment – FDI). فكلما ارتفعت كفاءة البنية التحتية الرقمية، وتحسنت الخدمات الحكومية الإلكترونية، وتعززت الشفافية المؤسسية، ازدادت قدرة الاقتصادات الأفريقية على استقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة، خاصة في القطاعات التكنولوجية والصناعات المعرفية.

وتبرز تجربة موريشيوس مثالًا واضحًا على ذلك، حيث أدى تطوير شبكات الألياف الضوئية ومنصات الحكومة الإلكترونية إلى نمو قطاع تعهيد العمليات التجارية (Business Process Outsourcing – BPO)، الذي أصبح يسهم بنسبة 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلًا عن توفير فرص عمل جديدة.

تكشف مضامين التقرير أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا هيكليًا في عملية التنمية الاقتصادية، ولم تعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة التشغيلية. فالتطبيقات الرقمية تؤثر في مختلف مراحل العملية الإنتاجية، ابتداءً من إدارة الموارد، ومرورًا بالإنتاج والتوزيع، وانتهاءً بالتسويق والخدمات المالية. كما أن العلاقة بين التكنولوجيا والإنتاجية أصبحت علاقة مباشرة؛ إذ يؤدي الاستثمار في البنية التحتية الرقمية إلى تحسين كفاءة استخدام رأس المال والعمل، وتقليل تكاليف المعاملات، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. ويوضح التقرير أيضًا أن نجاح التحول الرقمي يعتمد على تكامل عدة عناصر، تشمل البنية التحتية، والإطار التشريعي، والمؤسسات الفعالة، وتنمية المهارات البشرية، بما يجعل التكنولوجيا جزءًا من إستراتيجية تنموية متكاملة، وليس مشروعًا تقنيًا منفصلًا.

على الرغم من أهمية النتائج التي يعرضها التقرير، فإنه يميل إلى التركيز على الآثار الإيجابية للتكنولوجيا، دون أن يمنح الاهتمام ذاته للتحديات المصاحبة لها. فالتوسع في الرقمنة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الرقمية بين الدول، وإلى تفاوت فرص الاستفادة من التكنولوجيا بين المناطق الحضرية والريفية. كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية يثير قضايا تتعلق بالأمن السيبراني، وحماية البيانات، والسيادة الرقمية، وهي موضوعات لم تحظَ بتحليل كافٍ في هذا الجزء من التقرير. ويلاحظ كذلك أن التقرير يربط بين التكنولوجيا والنمو الاقتصادي، لكنه لا يناقش بصورة تفصيلية مدى انعكاس هذا النمو على تحسين توزيع الدخل، أو الحد من البطالة، أو معالجة التفاوتات الاجتماعية، وهي مؤشرات تعد أساسية عند تقييم نجاح السياسات التنموية.

يتضح أن التكنولوجيات المتقدمة تمثل ركيزة أساسية لإعادة تشكيل القطاعات الإنتاجية في أفريقيا، من خلال رفع كفاءة الخدمات، وتطوير الصناعة، وتعزيز الإنتاج الزراعي، وتوسيع الشمول المالي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. غير أن تحقيق الأثر الكامل لهذه التقنيات يتطلب بناء منظومة متكاملة تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والإصلاح المؤسسي، وتنمية رأس المال البشري، ووضع أطر تنظيمية فعالة، بما يضمن أن يتحول التقدم التكنولوجي إلى تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة، قادرة على تعزيز الإنتاجية والتنافسية وتحسين جودة الحياة في المجتمعات الأفريقية.

4) تحديات التحول الرقمي وآفاق التنمية الاقتصادية المستدامة في أفريقيا:
على الرغم من أن تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 يبرز الإمكانات الكبيرة التي توفرها التكنولوجيات المتقدمة (Frontier Technologies) في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية، فإنه يكشف في الوقت نفسه أن الاستفادة من هذه التقنيات لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الهيكلية والمؤسسية التي تحد من قدرتها على إحداث تحول اقتصادي شامل في القارة. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع أن تحقق التنمية بصورة تلقائية، وإنما يتوقف أثرها على البيئة الاقتصادية والمؤسسية والسياسات العامة التي تُوظَّف في إطارها.

أولًا: محدودية انتشار التكنولوجيات المتقدمة
يشير التقرير إلى أن أحد أهم التحديات يتمثل في انخفاض مستوى تبني التكنولوجيات المتقدمة داخل عدد من الاقتصادات الأفريقية، حيث لا تزال قطاعات عديدة تعتمد على أنماط إنتاج تقليدية منخفضة الكفاءة، الأمر الذي يقلل من قدرة التكنولوجيا على رفع الإنتاجية أو تحسين القدرة التنافسية. ويعكس ذلك تفاوتًا واضحًا في مستويات التحول الرقمي بين الدول، إذ استطاعت بعض الاقتصادات، مثل كينيا وموريشيوس وجنوب أفريقيا، تحقيق تقدم ملموس، بينما لا تزال دول أخرى في المراحل الأولى من بناء بنيتها الرقمية.

ثانيًا: قصور البنية التحتية الرقمية
يؤكد التقرير أن نجاح الاقتصاد الرقمي يرتبط بصورة وثيقة بوجود بنية تحتية رقمية قوية تشمل شبكات الاتصالات، وخدمات الإنترنت عالية السرعة، ومراكز البيانات، ومنظومات الدفع الإلكتروني. إلا أن كثيرًا من الدول الأفريقية لا تزال تعاني ضعف تغطية الإنترنت، وارتفاع تكاليف الاتصال، وعدم كفاية الاستثمارات في البنية الرقمية، وهو ما يحد من قدرة الأفراد والمؤسسات على الاستفادة الكاملة من التقنيات الحديثة. كما يؤدي هذا القصور إلى اتساع الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، حيث تتركز الخدمات الرقمية في المدن الكبرى، بينما تظل المناطق الريفية أقل استفادة من التحول الرقمي.

ثالثًا: نقص المهارات ورأس المال البشري
يرى التقرير أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحقق أثرها الاقتصادي دون وجود رأس مال بشري قادر على تطويرها وتشغيلها وإدارتها. ولذلك فإن محدودية المهارات الرقمية، وضعف نظم التعليم والتدريب التقني، يمثلان أحد أبرز القيود أمام بناء اقتصاد رقمي تنافسي في أفريقيا. ويقتضي ذلك توجيه الاستثمارات نحو تطوير التعليم، وتنمية المهارات الرقمية، ودعم البحث العلمي والابتكار، حتى تتمكن الاقتصادات الأفريقية من الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتطويرها.

رابعًا: التفاوت الرقمي بين الدول والأقاليم
تكشف البيانات الواردة في التقرير عن وجود تفاوت واضح بين الأقاليم الأفريقية في مستويات النمو الاقتصادي والتحول الرقمي، وهو ما يعني أن ثمار التكنولوجيا لا تتوزع بصورة متساوية داخل القارة. فالدول التي تمتلك مؤسسات أكثر كفاءة، وبنية تحتية متطورة، وسياسات داعمة للابتكار، تحقق مكاسب اقتصادية أكبر مقارنة بالدول التي تعاني ضعف القدرات المؤسسية أو الاضطرابات السياسية. ومن ثم، فإن التحول الرقمي قد يؤدي، إذا لم تصاحبه سياسات تصحيحية، إلى اتساع الفجوة التنموية بين الدول بدلاً من تقليصها.

خامسًا: تحديات التمويل والاستثمار
يشير التقرير إلى أن تنفيذ مشروعات التحول الرقمي يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والابتكار والبحث العلمي، وهو ما يمثل تحديًا أمام عدد من الاقتصادات الأفريقية التي تعاني ارتفاع مستويات الدين العام، وضيق الحيز المالي، وضعف القدرة على تعبئة الموارد المحلية. كما أن جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع الرقمي يظل مرتبطًا بتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار السياسي، ورفع كفاءة المؤسسات، وتطوير الأطر التشريعية المنظمة للاقتصاد الرقمي.

سادسًا: الحوكمة الرقمية والإطار التشريعي
يؤكد التقرير بصورة غير مباشرة أن نجاح التحول الرقمي لا يتوقف على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى منظومة حوكمة رقمية (Digital Governance) قادرة على تنظيم استخدام البيانات، وحماية الخصوصية، وضمان الأمن السيبراني، وتعزيز الثقة في المعاملات الرقمية. وتزداد أهمية هذا الجانب مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية الرقمية، حيث يصبح وجود تشريعات واضحة وآليات رقابية فعالة شرطًا أساسيًا لاستدامة الاقتصاد الرقمي.

تكشف هذه التحديات أن التحول الرقمي يمثل مشروعًا تنمويًا متكاملًا يتجاوز مجرد إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسات الاقتصادية. فالعلاقة بين التكنولوجيا والنمو ليست علاقة آلية، وإنما علاقة مشروطة بقدرة الدولة على بناء منظومة اقتصادية ومؤسسية قادرة على استيعاب الابتكار وتحويله إلى قيمة مضافة.

كما يوضح التقرير أن نجاح بعض التجارب الأفريقية لم يكن نتيجة امتلاك التكنولوجيا وحدها، وإنما جاء نتيجة تكامل الاستثمار في البنية التحتية، والإصلاح المؤسسي، والابتكار المالي، وتنمية رأس المال البشري. ويعني ذلك أن الدول التي تركز على شراء التكنولوجيا دون تطوير بيئتها المؤسسية لن تحقق الأثر الاقتصادي المنشود.

ومن زاوية أخرى، فإن استمرار التفاوت الرقمي بين الدول قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفجوات التنموية داخل القارة، بحيث تستفيد الاقتصادات الأكثر تقدمًا من الثورة الرقمية بوتيرة أسرع، بينما تظل الاقتصادات الأقل تطورًا عالقة في أنماط إنتاج تقليدية، وهو ما يهدد بتعميق الاختلالات الاقتصادية والإقليمية.

على الرغم من أن التقرير يعرض التحديات الرئيسة التي تواجه التحول الرقمي، فإنه لا يمنح مساحة كافية لتحليل الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية المرتبطة بهذا التحول، مثل أثر الأتمتة في أسواق العمل، ومخاطر الاحتكار الرقمي، والسيادة الرقمية، والاعتماد المتزايد على الشركات التكنولوجية العالمية.

كما يركز التقرير على زيادة مساهمة التكنولوجيا في الناتج المحلي الإجمالي، دون أن يناقش بصورة معمقة مدى انعكاس هذا النمو على العدالة الاجتماعية، أو الحد من الفقر، أو تحسين توزيع الدخل. فنجاح التحول الرقمي ينبغي أن يقاس بقدرته على تحسين نوعية الحياة وتعزيز التنمية البشرية، وليس فقط بارتفاع المؤشرات الاقتصادية الكلية. ويلاحظ أيضًا أن التقرير يتناول الأمن السيبراني وحوكمة البيانات بصورة عامة، بينما أصبحت هذه القضايا اليوم من أهم محددات الثقة في الاقتصاد الرقمي، وتتطلب أطرًا قانونية ومؤسسية أكثر تفصيلًا، خاصة مع الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.

يتضح أن مستقبل الاقتصاد الرقمي في أفريقيا لا يعتمد على امتلاك التكنولوجيا بقدر ما يعتمد على قدرة الدول على بناء منظومة تنموية متكاملة تجمع بين البنية التحتية الرقمية، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في رأس المال البشري، والإصلاح المؤسسي، وتعبئة التمويل، ووضع تشريعات حديثة تنظم الاقتصاد الرقمي. ويؤكد تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 أن التكنولوجيا تمثل فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصادات الأفريقية، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع تنموي مستدام يظل مرهونًا بقدرة الدول على تجاوز التحديات الهيكلية، وتقليص الفجوة الرقمية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر شمولًا وعدالة واستدامة.

5) خاتمة
تكشف القراءة التحليلية المعمقة للجزء الأول من تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026 أن الاقتصاد الأفريقي يواصل إظهار قدر من المرونة في مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية، مستفيدًا من تحسن الاستقرار الاقتصادي الكلي، وزيادة الاستثمارات العامة، والتوسع في مشروعات البنية التحتية، إلى جانب تنامي دور التكنولوجيا والابتكار في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية للقارة. إلا أن التقرير يوضح في الوقت نفسه أن مسار النمو لا يزال يتسم بتفاوتات إقليمية وهيكلية واضحة، نتيجة اختلاف مستويات التنمية، وتباين القدرات المؤسسية، واستمرار تأثير العوامل الجيوسياسية والمناخية في الأداء الاقتصادي للدول الأفريقية.

وتبين الدراسة أن شرق أفريقيا يواصل قيادة النمو الاقتصادي على مستوى الأقاليم الفرعية، مدعومًا بالاستثمار في البنية التحتية وتحسن بيئة الأعمال، بينما حققت غرب أفريقيا أداءً إيجابيًا بفضل الإصلاحات الاقتصادية وتحسن إنتاج الطاقة. أما شمال أفريقيا فقد استفاد من تنوع مصادر النمو بين الطاقة والزراعة والصناعة والخدمات، في حين ظل وسط أفريقيا والجنوب الأفريقي يواجهان تحديات هيكلية تتعلق بضعف المؤسسات، ومحدودية التنويع الاقتصادي، وأزمات الطاقة، وآثار التغيرات المناخية.

كما يوضح التقرير التحول التدريجي في هيكل الاقتصاد الأفريقي، حيث أصبح قطاع الخدمات المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي، مع تزايد الدور الذي تؤديه التكنولوجيات المتقدمة والابتكار في تحسين الإنتاجية، وتعزيز الشمول المالي، ورفع كفاءة الخدمات العامة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أكدت التجارب الوطنية في كينيا، وغانا، وموريشيوس، وجنوب أفريقيا أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والابتكار المالي، والحكومة الإلكترونية، وتنمية قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي المعاصر في القارة.

ومع ذلك، أظهرت القراءة النقدية أن التقرير يغلب عليه التركيز على مؤشرات النمو الكلي، دون أن يمنح الاهتمام نفسه لقضايا توزيع ثمار النمو، والحد من الفقر، وتقليص البطالة، والتفاوتات الإقليمية والاجتماعية. كما أن الرؤية المتفائلة لدور التكنولوجيا لا تقترن بتحليل كافٍ للتحديات المرتبطة بالفجوة الرقمية، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، ونقص المهارات الرقمية، وهي جميعها عوامل قد تحد من قدرة الاقتصادات الأفريقية على تحقيق تحول رقمي شامل ومستدام.

– أهم النتائج:
• أظهرت الدراسة أن معدل نمو الاقتصاد الأفريقي يتجه إلى التحسن، مدفوعًا بالاستثمار العام وتحسن الاستقرار الاقتصادي الكلي.
• كشفت النتائج عن تفاوت واضح في معدلات النمو بين الأقاليم الأفريقية، مع استمرار تفوق شرق أفريقيا بوصفها الإقليم الأسرع نموًا.
• بينت الدراسة أن الاقتصادات الأكثر تنوعًا كانت أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية مقارنة بالاقتصادات المعتمدة على سلعة أولية واحدة.
• أكدت النتائج أن استمرار الاعتماد الكبير على صادرات النفط والمواد الخام يزيد من هشاشة بعض الاقتصادات أمام تقلبات الأسواق الدولية.
• أوضحت الدراسة أن قطاع الخدمات أصبح القطاع الأكبر مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي، متقدمًا على الصناعة والزراعة.
• أثبت التقرير أن التكنولوجيات المتقدمة، والتحول الرقمي، والابتكار المالي أصبحت من أهم محركات الإنتاجية والنمو الاقتصادي في أفريقيا.
• أبرزت التجارب الوطنية في كينيا وغانا وموريشيوس وجنوب أفريقيا الأثر الإيجابي للاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والحكومة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، في تعزيز الشمول المالي، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل.
• كشفت الدراسة أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، وإنما يرتبط بوجود مؤسسات فعالة، وأطر تنظيمية مرنة، واستثمارات مستدامة في التعليم وتنمية المهارات.
• أكدت القراءة النقدية أن تحقيق نمو اقتصادي مرتفع لا يعني بالضرورة تحقيق تنمية شاملة، ما لم ينعكس هذا النمو على تحسين مستويات المعيشة، وتقليص الفقر والبطالة، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
• خلصت الدراسة إلى أن مستقبل الاقتصاد الأفريقي يتوقف على قدرة الدول على توظيف التكنولوجيا ضمن إستراتيجية تنموية متكاملة، تقوم على التنويع الاقتصادي، والحوكمة الرشيدة، وتعزيز رأس المال البشري، بما يضمن انتقال الاقتصادات الأفريقية إلى نموذج أكثر تنافسية واستدامة.

6) التوصيات
في ضوء تقرير الأمم المتحدة الاقتصادي عن أفريقيا 2026، وما أسفرت عنه الدراسة من تحليل وتفسير وقراءة نقدية، يمكن تقديم التوصيات الآتية:
– عزيز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، خاصًة شبكات الاتصالات فائقة السرعة، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، بما يدعم التحول الرقمي ويرفع كفاءة القطاعات الاقتصادية المختلفة.
– تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصادات الأفريقية، والحد من الاعتماد المفرط على تصدير النفط والمواد الخام، من خلال دعم الصناعات التحويلية والاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.
– تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية التي تحكم الاقتصاد الرقمي، بما يشمل حماية البيانات، والأمن السيبراني، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، بما يعزز ثقة المستثمرين ويضمن سلامة البيئة الرقمية.
– زيادة الإنفاق على التعليم والتدريب التقني والرقمي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، بما يسهم في إعداد كوادر قادرة على قيادة التحول الرقمي ودعم الاقتصاد المعرفي.
– توسيع برامج الشمول المالي الرقمي، والاستفادة من التجارب الأفريقية الناجحة، مثل الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، بما ييسر وصول الأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والخدمات المصرفية.
– تعزيز الاستثمار في البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وتوفير الحوافز للمؤسسات الناشئة، بما يسهم في إنتاج حلول تكنولوجية تتلاءم مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه القارة.
– الاستمرار في تطوير الحوكمة الرقمية والإدارة الإلكترونية، بما يرفع كفاءة الخدمات العامة، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويحد من البيروقراطية والفساد الإداري.
– تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال توحيد السياسات الرقمية، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسهيل انتقال البيانات والخدمات الرقمية بين الدول الأفريقية، بما يدعم تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
– دمج التقنيات المتقدمة في القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة، والصناعة، والنقل، والخدمات اللوجستية، بهدف رفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الأفريقية.
– تبني سياسات تنموية تراعي التفاوتات الإقليمية والاجتماعية، بحيث تمتد آثار النمو الاقتصادي إلى جميع الفئات والمناطق، مع إعطاء أولوية لخلق فرص العمل، والحد من الفقر، وتحسين توزيع الدخل.
– تعزيز قدرة الاقتصادات الأفريقية على مواجهة الصدمات الخارجية من خلال بناء احتياطيات مالية، وتنويع الشركاء التجاريين، وتوسيع مصادر الإيرادات العامة، بما يقلل من آثار تقلبات أسعار السلع الأولية والأزمات الاقتصادية العالمية.
– دمج الاعتبارات المناخية في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، ودعم مشروعات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخيًا، بما يحد من الآثار السلبية للتغير المناخي على النمو والإنتاجية والأمن الغذائي.
– تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية في تمويل مشروعات التحول الرقمي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، بما يضمن استدامة التنمية الرقمية في القارة.
– اعتماد منظومة دورية لرصد وتقييم أثر التحول الرقمي على النمو الاقتصادي والإنتاجية والتشغيل والشمول المالي، بما يتيح مراجعة السياسات العامة وتطويرها استنادًا إلى مؤشرات كمية ونتائج قابلة للقياس.
تؤكد هذه التوصيات أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام في أفريقيا لا يتوقف على تحسين المؤشرات الكلية فحسب، بل يرتبط ببناء اقتصاد أكثر تنوعًا وابتكارًا، قادر على توظيف التكنولوجيا الحديثة ضمن إطار مؤسسي وتشريعي متكامل يضمن تحقيق التنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز القدرة التنافسية للقارة في الاقتصاد العالمي.

7) أهم المؤشرات الدالة على أثر التحول الرقمي في الاقتصادات الإفريقية
تكشف البيانات الواردة في التقرير عن مجموعة من المؤشرات الكمية التي تعكس الأثر المتزايد للتحول الرقمي في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية في الدول الإفريقية. وتبرز هذه المؤشرات حجم مساهمة القطاعات الرقمية في الناتج المحلي الإجمالي، ومدى تطور البنية التحتية الرقمية، واتساع نطاق الشمول المالي، فضلًا عن انعكاس ذلك على خلق فرص العمل، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية. ويمكن عرض أبرز هذه المؤشرات في الجدول الآتي:

أهم المؤشرات التي تناولتها الدراسة

  • نمو أفريقيا 4.0% في 2025.
  • نمو متوقع 4.1% في 2027.
  • نمو شرق أفريقيا 5.8%.
  • نمو غرب أفريقيا 4.5–4.6%.
  • نمو شمال أفريقيا 4.4%.
  • نمو وسط أفريقيا 3.0%.
  • نمو الجنوب الأفريقي 1.9%.
  • انخفاض سعر النفط من 79 إلى 64 دولارًا.
  • اعتماد بعض الدول النفطية على النفط بأكثر من 80% من الصادرات.
  • مساهمة قطاع الخدمات 48.8% من الناتج المحلي.
  • مساهمة قطاع الصناعة 26.2%.
  • مساهمة الصناعة التحويلية 11.3%.
  • مساهمة قطاع الزراعة 17.9%.
  • مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات في اقتصاد غانا ارتفعت من 4.4 إلى 21 مليار سيدي غاني.
  • مساهمة قطاع تعهيد العمليات التجارية في موريشيوس 5.8% من الناتج المحلي.
  • ارتفاع مساهمة قطاع التكنولوجيا في جنوب أفريقيا إلى 15–20% من الناتج.
  • زيادة الناتج المحلي في غانا بفعل الخدمات المالية الرقمية بنسبة 8–10%.
  • زيادة متوسط دخل الفرد بنحو 530 دولارًا أمريكيًا.
  • استمرار معدل الفقر في غينيا عند 52%.
  • 2028 العام المتوقع أن يسهم فيه التوسع في التقنيات الرقمية في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والتجارة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل، وتحقيق إيرادات ضريبية كبيرة.

د. أسماء نوير

دكتوراه في فلسفة العلوم، تخصص فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، كلية الآداب بجامعة أسيوط، مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى